سميح عاطف الزين

646

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

سوطه ، حتى عادت وعثرت مرة أخرى ، ولكنه لم يأبه ، بل راح يشتدّ بانطلاقه ، علّه يدرك الرجل الذي يلحق به ، ويردّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وصاحبه إلى مكة ، أو يقتلهما إن أبيا ، وحاولا منعه من ابتغاء غايته . . وأبصر سراقة من بعيد رجالا يحتمون بفيء صخرة ، فلزّ فرسه لزة أخيرة ، وقد بدا له أنه نال الظفر ، ولكن الفرس ما كادت تتقدم مندفعة إلى الأمام ، حتى عثرت عثرة كبيرة هذه المرة ، جعلتها شبه هامدة في أرضها ، بينما كان فارسها قد طار عن ظهرها وراح يتدحرج بسلاحه . . وقام ذلك اللعين يلملم نفسه من جديد ، ثم أخذ بلجام فرسه وراح يشد بها حتى قامت من رقدتها . وما كاد يتقدم بها بضع خطوات حتى غاصت أرجلها بالرمل وكبت برأسها إلى الأمام ، فهوى مجددا عن ظهرها ، ولكنه لم يحفل بل استوى قائما ، يريد أن ينفض عنه غبار الأرض ، فيتراءى له وكأنّ ذلك الغبار دخان كثيف يصعد في السماء ، مثل المارد ، فأجفل سراقة لهذا المشهد ، وداخله خوف شديد منه ، خاصة وأنه قد تملّكه شعور رهيب بأن اللّه مانعه من إدراك ضالته ، وأنّه إن أصرّ ممعنا ، فإنه معرّض نفسه لخطر قاتل . . وزاد في رهبته تعثر فرسه به طوال الطريق ، وهو الفارس الذي لم يكب به جواد ركبه قطّ ، فكان كل ذلك كافيا لأن يعقل ويتعظ ، فوقف ونادى : - يا كرام الناس ! أنا سراقة بن مالك ، أنظروني أكلمكم ، فو اللّه لا أريبكم ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه . . فقال له عبد اللّه بن أريقط : - وماذا تبغي منا ؟