سميح عاطف الزين
564
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
واعتلتها الرايات تعلن عن النازلين فيها - لملاقاة شيوخ القبائل ، ورجال مجالسها الذين وحدهم يملكون السلطة في الحياة البدوية التي كانت تعيشها الجزيرة آنذاك ، ويجسدون من دون غيرهم مراكز القوى في تلك البيئة ، فيكونون أهل نصرة لمن استنصر بهم . ولعلّ ذلك الذي كان في جاهلية العرب ، وجاهلية العالم في تلك الحقبة من التاريخ ، هو بخلاف ما نشهد اليوم ، حيث تتوزع مراكز القوى ما بين الحاكم ، والتاجر ، والسياسي ، والقائد العسكري . . كل واحد منهم يمكن أن يعدّ من أهل النصرة ، لما له من تأثير في نظام الحكم القائم في بلده . . بينما كانت مراكز القوى في تلك الجاهليات القديمة حكرا على حاكم مطلق ، أو شيخ قبيلة ، أو إقطاعي مستبد ، يعود له وحده أمر البت والفصل . . وعلى أساس هذا التوجه بدأ الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في منى ببني كندة وفيهم سيد يقال له مليح ، فدعاهم إلى دين اللّه عز وجل ، ولكنّهم أبوا الهداية . فأتى كلبا ، وقد نزل منهم بطن يقال له بني عبد اللّه ، فدعاهم أيضا إلى اللّه تعالى ، وعرض الإسلام عليهم ، فرفضوا مثل بني كندة الانصياع إلى الحق . ثم ذهب صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى منازل بني حنيفة ، وهم أهل اليمامة وأصحاب مسيلمة ( الكذاب ) فكان موقفهم أشدّ من موقف من سبقهم ، وردّوه ردا غير جميل . . ولكن ، رغم هذا الإنكار للحق من تلك القبائل ، ورغم عدم الاستجابة إلى الإيمان الذي يدعوهم إليه رسول اللّه ، فإنه لم ييأس ولم