سميح عاطف الزين
56
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
الشتاء والصيف ، الأولى إلى اليمن والثانية إلى الشام ، فسمت مكانتها في أنحاء شبه الجزيرة العربية كلها ، واعتبرت العاصمة المعترف بها . ثم ساعد على هذا الازدهار أن هاشما وإخوته أبناء عبد مناف عقدوا مع جيرانهم معاهدات أمن وسلام . فعقد هاشم بنفسه مع الإمبراطورية الرومانية ومع أمير غسان معاهدة حسن جوار ومودّة وحصل من الإمبراطور نفسه على الإذن لقريش بأن تجوب بلاد الشام في أمن وطمأنينة . ثم عقد عبد شمس معاهدة تجارية مع النجاشي ، كما عقد نوفل والمطلب حلفا مع فارس ومعاهدة تجارية مع الحميريين في اليمن . وبذلك صار لمكة من اليسار ، وصار لأهلها من المهارة في التجارة ، ما جعل الأسواق تنصب فيما حولها لتصريف التجارة التي تأتيها من كل صوب ، وهذا ما جعل أيضا أهلها يبرعون في النّسيئة والربا وفي كل ما يتصل بالتجارة من أسباب المعاملات . وإذا كان العرب قد عرفوا التجارة البرية بصورة مبكّرة ، فإن التجارة البحرية عندهم كانت متأخرة ، ولم تعرف إلا في العصر الإغريقي ، وبشكل خاص أيام الإسكندر المقدوني . وفي القرن الثالث قبل الميلاد قام العرب بنشاط تجاري بحري واسع عبر مياه الخليج باتجاه نهر الفرات شمالا حتى مدينة سلوقية . ولكنّ هذا النشاط تراجع في مطلع القرن الأول قبل الميلاد بسبب تكثيف البطالسة لنشاطهم التجاري في مصر ، وحصر سيطرتهم الاقتصادية في البحر الأحمر والمحيط الهندي . إلا أنه رغم هذا التأخر ، فقد عاد العرب إلى ممارسة التجارة البحرية بعد منتصف ذلك القرن ، وفي القرن الثاني ، بعد ما أنشئت الموانىء وازداد عددها .