سميح عاطف الزين
559
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
فلا يمكن أن يستجير إذن بسهيل بن عمرو ، كما لا يمكن أن يطلب جوار المطعم بن عديّ وهو يعرف ما يكنّه له ، ولدعوته من حقد . . ثم ، وأهم من ذلك كله ، لا يمكن لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يطلب من مشرك أن يجيره ، ولو أراد ذلك فرضا ، لكان بإمكانه أن يرسل إلى أحد بني هاشم أو إلى أحد بني عبد المطلب - ممن لا يزالون على الشرك - أن يجيره ، وهم الذين ذاقوا الأمرين لأجله في حصار الشعب ، فلا يعقل ألّا يجيروه في دخوله إلى مكة ، ثم لماذا طلب الجوار أصلا وهو يعيش بين أهل مكة ليلا ونهارا ، ومجرد ذهابه إلى الطائف والعودة منه لا يستدعي أبدا مثل هذا الطلب . . إذن فالحقيقة أنه لم يكن هناك طلب من النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لأحد المشركين أن يجيره . ولكن الذي حصل ، أن رسول اللّه قد وافق زيدا على البقاء خارج مكة ، خوفا من أذى قريش ، واتقاء لردة فعل قد تحصل من سفهائها بعد أن خذلته الطائف ، وخذله بنو ثقيف ، فآثر الركون حتى أسدل الليل ستاره ، وهدأ الناس وناموا ، فدخل مكة تحت جنح الظلام ، وهو يحسب لكل الأمور حساباتها . حتى إذا طلع النهار ، وصار بين أهله وعشيرته ، وبين المسلمين ، خرج بين الناس والأتباع والصحابة من حوله ، وفيهم أسد اللّه حمزة ، وعمر صاحب الحميّة ، وغيرهما من فتية الإسلام الذين كانوا مستعدين لسفك دمائهم ، والشهادة في سبيل اللّه تعالى ، ورسوله الكريم . . بل ولم تقم قريش بشيء جديد بعد عودة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من الطائف ، فقد كانت ما تزال على نفس الأساليب الرعناء حياله ، وحيال المسلمين ، ولذلك سارت الأمور على نفس المسافة من التباعد بين قريش الكافرة ، وبين محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وصحابته المؤمنين . .