سميح عاطف الزين
54
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
على الرّعي والارتحال ، هو احتقارهم للزراعة واعتبارها عملا غير جدير بالاهتمام ، في حين أن العمل الرفيع في نظرهم هو الرّعي بحريته وانطلاقه ، حتى أن هذه النظرة انعكست على شعرهم ، فحفلت قصائدهم وأشعارهم بمعاني الحرية ولذّة العيش في البادية الفسيحة ، وتحقير من يرضى بالزراعة موردا للرزق . وإذا كانت تربية المواشي ، والنّهب ، وفرض الجزية ، وأجور حماية القوافل التجارية هي مصادر الرزق الرئيسية لأهل البادية من العرب الرحّل ، فإن الأمر يختلف بالنسبة لأهل القرى ، وسكّان المدن الذين كانوا يقيمون في مناطق آثرتها الطبيعية ببعض فيضها ، حيث يهطل المطر وتخصب الأرض ، مما جعل أهلها ينصرفون إلى الزراعة ويعملون فيها . وليس بناء سدّ مأرب في اليمن إلّا مثالا لهذا العمل ، الذي أريد به حصر مياه الأمطار والإفادة منها في الزراعة وسقي المواشي وريّ البساتين والحدائق . ورغم هذا الاهتمام ، كانت المزروعات قليلة ، بعضها من الحبوب كالقمح في اليمن ، والأرزّ في الحسا وعمان ، والشعير والذرة في مناطق أخرى ، وبعضها من الشجر كالنخيل والتين والزيتون ، والكرمة والرّمان في المناطق المخصبة ، ولكن أكثر أشجارها انتشارا كان النخيل والكرمة . فمن زراعة النخيل أنتجوا التمور بأنواع متعددة وجعلوها المادة الرئيسية للغذاء . ومن هذه الثمار استخرجوا دبسا ونبيذا ، كما هدتهم التجربة إلى استعمال بعض أجزاء النخلة في الطبابة والمداواة من بعض الأمراض ، واستعملوا أوراقها للكتابة . واشتهرت زراعة الكرمة لجني العنب ، وصناعة الزبيب واستخراج