سميح عاطف الزين

496

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

العالم الأخرى مفتوحة على هذه الدولة المحاصرة ، فلا يموت شعبها من الجوع ، بل لا يقبل العالم الآخر أن يميت هذا الشّعب بسبب السياسات المتضاربة . . هذا في حين أن سياسة المقاطعة التي اعتمدتها قريش ، قد جعلت أصحاب الشّعب معزولين عن سائر الناس ، فلا اتصالات معهم ، لا اقتصادية ولا سياسية ولا اجتماعية ، حتى ولا علاقات مع غيرهم إطلاقا . . اللهمّ إلّا ذلك الاختلاط البسيط ، الذي كان يسمح فيه للمسلمين ، بالنزول أيام الأشهر الحرم إلى الكعبة ، والذي كان على الرسول الكريم أن يجد فيه سبيلا للخروج من عزلته المفروضة عليه ، فيتصل بقبائل العرب التي تفد مكة في المواسم ، ويدعوها إلى دين اللّه الواحد . . فكان عليه وعلى آله الصلاة والسّلام ، ينزل مع بعض الصحابة ، كل يوم من أيام المواسم ، ثم لا يلبثون أن يعودوا في المساء إلى الشعاب ، دون أن يتمكنوا من حمل شيء معهم ، إذ كانت قريش لهم بالمرصاد ، تمنعهم ، وتحول دون قيامهم بأية عملية بيع أو شراء ، أو قبول هدية ، أو سداد دين . . حتى إذا انقضت أيام الأشهر الحرم ، منع عليهم النزول إلى مكة ، وظلّوا في الشّعاب على أحوالهم المتردية . . . السعي لخرق المقاطعة وإذا كانت قلوب شياطين الكفر من قريش ، قد وصلت إلى هذا الحد من القسوة والفظاظة ، فإنها وجدت في ذلك راحة لها ، وشماتة بأولئك المحاصرين ، فطاب لها العيش بدونهم ، وهنأت ببعادهم ، فصار محور أحاديثهم عن وهن أصحاب الشّعاب وضعفهم ، وبات غالب تندّرهم بالمعاناة التي يلقونها ، فلا ينقضي مجلس إلّا بعد أن يرتوي