سميح عاطف الزين
473
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
ولم تمض إلّا أيام معدودة ، حتى كان البطارقة قد هيّأوا للقاء موفدي قريش مع النجاشي ، فدخلا عليه ، يقدّمان له هدايا قريش ، ويتملّقانه بأشد أنواع التذلل ، وتقديم فروض الولاء ، حتى جعلاه يسرّ لذلك الإطناب في المديح ، ويسألهما عن حاجة قريش إليه ، فقال له عمرو بن العاص : « عفوك أيها الملك العظيم . . إنه قد ضوى إلى بلدكم منا غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم ، ولم يدخلوا في دينكم ، بل جاؤوا بدين ابتدعوه ، لا نعرفه نحن ولا جلالتكم . . وقد بعثنا إليكم فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم ، لتردّوهم إليهم ، فهم أعلم بما عابوا عليهم ، وعاتبوهم فيه » . . التفت النجاشي إلى عبد اللّه بن أبي ربيعة وقال له : - وأنت أيها الرجل فقال : - إني لا أزيد على ما قال صاحبي شيئا يا مولاي ، وقد أتينا نرجو عطف جلالتكم ، وردّ أولئك السفهاء إلى بني قومهم . . وحار النجاشي بما يجيب ، فما كان يعلم عن أمر المهاجرين من مكة إلّا أنهم جماعة ضعفاء ، قد لحق بهم الظلم والقهر ، فآثروا الاحتماء بجواره ، نأيا عما يصيبهم وينزل بهم ، وإنه يسمع الآن عكس ما كان يعتقد . ولذلك ارتأى أن يقف على رأي بطارقته وأعوانه ، فما سمع من هؤلاء إلّا ما يؤيد أقوال مبعوثي قريش التي هي من أكبر قبائل جزيرة العرب ، وأكثرها مكانة ورفعة . وقد بعثهما قومهما إلى عاهل الحبشة