سميح عاطف الزين

458

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

ملاحقة المسلمين ، ما دام أسيادها في طغيانهم يعمهون . وها هم قد اتخذوا من الهجرة ذريعة أخرى ، يضيفونها إلى ذرائعهم السابقة للنيل من المسلمين ، وخاصة من هؤلاء الذين غلب عليه الحلم والمروءة ، فلا يتوقعون منهم مناوأة أو مقاومة تذكر . . على أن للهجرة دروسها ودلالاتها الأخرى في حسبان القيم البشرية ، فالرسول الأعظم لم يكن اختياره بلاد الحبشة مهاجر للمسلمين إلّا بعد طول أناة وتفكير ، وذلك ليثبت في ضمير العالم كله أن أرض الحبشة - وفيها النصرانية التي هي دين للّه تعالى - أولى من أي أرض أخرى باحتضان أبناء دين اللّه الواحد ، واستقبالهم بالأمن والسّلام ، لا يلقون أذى ولا افتراء ، ولا يعانون من تعذيب أو جهالة . . إن الرسول الأعظم محمد عبد اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أراد أن يبرهن للدنيا بأن أرض الأديان السماوية هي أحق بالمؤمنين من أي أرض أخرى ، ولذلك لم يكن اختياره أرضا لهجرة المسلمين عند قبائل العرب في البادية ، وهم من اشتهروا - بالسليقة - بحبهم للحمية والجوار . . أو في بلاد فارس ، حيث إمبراطورية قوية ، ذات سطوة وهيبة وسلطان ، وتنازع إمبراطورية روما حكم البلاد ، وتضاهيها بأسا ونفوذا . فأهداف الهجرة لم تكن مقصورة على إعطاء الدروس لقريش وللعرب وحسب ، بل أرادها الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أهدافا ضاربة في عمق الزمن ، يجدر بالناس أن يتوقفوا عندها ، وأن يقدّروا سموّها كلما تقدمت العصور ، وتفتحت مدارك التسامح والألفة والتعاون بين بني البشر . . هذا في حين أن المشركين لم يروا في تلك الهجرة ما يتخطّى تفكيرهم الضيق . فقد تصوروا أنها بداية سوف تتيح لأتباع محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يلحق بهم آخرون ، فتشتدّ