سميح عاطف الزين
396
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
وتتساقط التهاني المباركة على عبد اللّه بالفوز ، ولكنّ أجملها كانت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . وقد اعتبرها عبد اللّه بمثابة وسام يرفع من قدره على مدى الدهر ، عندما راح النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يثني على فعله الجريء ، بما يرضي اللّه تعالى ، وهو يقول له : « حسبك . . وقد أسمعتهم ما يكرهون » . ولم يكن اختيار الرسول الحكيم لعبد اللّه بن مسعود بالذات حتى يجهر بالقرآن على الملأ من قريش إلّا عن حكمة وتقدير . فهو لم يكلف أحدا بهذه المهمة من أبناء السادة في قريش أمثال علي أو عثمان أو عمر . . بل اختار واحدا من الأضعفين في المسلمين ، ( على ما كان يصفهم به جماعة الكفار الذين يقيمون للفوارق الاجتماعية وزنا كبيرا ) . حتى لا يتوهم المشركون أن في هذا الأمر تحديا لمشاعرهم ، حتى إذا ظهر لهم خلاف ذلك وظنوا فعلا أنّ فيه التحدي وأن عبد اللّه بن مسعود يتحداهم ، فليكن ذلك فعلا ، لأنّ معناه أن الإيمان هو الذي يتحدّى الكفر ، وأن الحق هو الذي يتحدّى الباطل ، لأنه في الحقيقة ، لا عصبية ولا قبلية ، ولا مكانة اجتماعية في الإسلام ، بل قبل كل شيء التقوى والعمل الصالح . والمسلمون الأوائل والحمد للّه كانوا جميعا على هذا النهج الواحد القويم ، الذي يجسّد في نقوسهم وفي أعمالهم الروح الإسلامية التي كانت تميّزهم عن سائر الناس . . وهذا ما شاء الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن تعيه قريش عندما اختار عبد اللّه بن مسعود من بين المسلمين كافة ، حتى يوقر في أذهانها أنه لا فرق في الإسلام بين راعي الغنم ونبيل القوم ، فالكل سواء ، ولكن الفضل هو لأصحاب الإيمان والتقوى على غيرهم . وإنّ الكلّ في الإسلام جند للّه سبحانه وتعالى ،