سميح عاطف الزين

392

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

مع المشركين من خلال هذا القرآن ، ولكنّهم أبوا النصح ، وتمنّعوا عن الاهتداء . . إلّا أن ذلك لم يفتّ في عضد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وفي استقامته على نفس المنهج الرباني الذي يمكن أن يربيهم عليه . . فإنهم لم يرصدوا له موقفا كي يجادلوه ويحاجّوه ، إلّا وجعل القرآن بينه وبينهم . فالقرآن يدور على لسانه لدى كل سؤال ، وفي أي جواب ، وعند ضرب كل مثل . . لقد كان صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يستفيض في إسماعهم قول اللّه الحق تذكرة وتبيانا للمناقشات والطروحات والمسائل التي تحكم الأجواء والتي تدور في خلدهم ، أو على ألسنتهم . . فهو صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان يدرك ما للقرآن الكريم من أثر عظيم في النفوس ، ويسعى لأن تسري معايشة المسلمين للقرآن بآفاقها وأعماقها إلى حياة المشركين ، فلعلّ في ذلك ما يجذبهم لمعرفة الدعوة الإسلامية بإيحاء الفطرة السليمة التي تدرك المعاني السامية وتأخذ بها . ورأى رسول الإسلام أن يتّبع أسلوبا جديدا في إيصال القرآن إلى أسماع أهل مكة جميعا ، وذلك عبر الأثير « 1 » الذي ينقل الأصوات ، فيتلقّاها الناس في البيوت والمجالس ، والطرقات بصورة تلقائية ، وبدون أي استعداد نفسيّ مسبق ، قد ينطوي ، على خلفية العداوة أو حتى الرضى بهذا القرآن . . وقد أراد أن يتم ذلك جهرا عدة مرات في اليوم . . فلما عرض الأمر على الصحابة ، في دارة ندواتهم وحلقاتهم ، هلّل الحاضرون وكبروا ، لأنّ في مثل هذا الجهر بالقرآن إعلانا للناس بأن المسلمين يريدون الحق ، ويعملون للحق ، والحق واحد لا يقبل التجزئة في أهدافه ومقاصده .

--> ( 1 ) مادة لا تقع تحت الوزن تتخلل الأجسام ويكون امتداد الصوت والحرارة بواسطة تموجاتها .