سميح عاطف الزين

369

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

مكة ، ولم ينزو في بيته ، كما كانوا يتوقعون ، بل استمرّ على نهجه ودأبه ، وأتباعه من ورائه ، في الدعوة إلى دين التوحيد ، وتسفيه عبادة أهل الكفر والشرك . . وهذا ما أعاد القلق إلى نفوس زعماء قريش الضالين ، فراحوا يبحثون عما يصنعون . . ولن يعدم مثل أولئك الأشرار وسيلة أو حيلة للوصول إلى مآربهم ، ولذلك أوفدت قريش اثنين من رؤوس أشرارها وهما : النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط ، إلى أحبار اليهود في يثرب ، لأنهم أهل كتاب ، وقالت لهما : « سلاهم عن محمد ، وصفا لهم صفته ، وأخبراهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول وعندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء » « 1 » . وكان اللقاء بين أحبار اليهود في يثرب ، وذينك المشركين ، أعقبه خلوة تدارس فيها الأحبار الأمر حتى انتهوا إلى قرارهم ، وهو أن تسأل قريش محمد بن عبد اللّه عن ثلاث ، فإن عرف خبرها فهو نبي مرسل ، وعندها على قريش أن تكتم الأمر عن الناس ، وأن تتدبّر حسم الموقف معه ، لأنّ في دعوته خطرا قد يستفحل ، ويقوّض كل ما لقريش من مكانة في العرب . هكذا كانت الوصية المنكرة من أحبار بني يهود إلى المشركين . وقد حملها النضر وعقبة ، وراحا يغذّان السير على راحلتيهما إلى مكة ، حتى إذا بلغا مشارفها ، وجدا بانتظارهما جماعة من رؤوس الشرك وفي طليعتهم أبو سفيان ، وأبو جهل ، وأبو لهب وغيرهم ، ممن هم من ألدّ

--> ( 1 ) السيرة النبوية لابن هشام م 1 ص 321 .