سميح عاطف الزين
361
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
إذن صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يختار عاقبة فعله بحيث إن رأى العاقبة المغيبة خيرا أقدم ، وإن رآها سوءا أحجم ، إنما هو يعمل والعاقبة تجيء كما قدّر اللّه تعالى في غيبه المكنون « 1 » . . وهذا كله نقيض ما يفكّر به أو يطلبه هؤلاء القرشيون . إنهم لا يدركون أن الرسول بشر مثلهم ، ومثل سائر الناس ، غير أنه يتلقى أمر ربه ليبلّغه ، فيكون بشيرا ونذيرا لقوم يؤمنون ، وبالتالي فإنه لا يمكنه أن يخرق السنن التي صنعها اللّه تعالى ، إلا ما شاء اللّه أن يكون في صالح الدعوة التي يحمل ، والرسالة التي يبلّغ . . وما كاد الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يبيّن حقيقة بشرّيته ، وأنه يعيش كما يعيش غيره من بني البشر إلّا ما اختصّ بالرسالة التي ندب لحملها ، وبعث لأجلها ، حتى اشرأبت عنق رجل آخر من المشركين ، وهو يقول له : - يا محمد ! لقد بلغنا أنه يعلمك ما تقوله لنا هذا رجل من اليمامة يقال له الرحمن ، وإنا لا نؤمن بالرحمن أبدا ، ولقد أعذرنا إليك وإنا واللّه ما نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا « 2 » . إنه افتراء جديد من المشركين على اللّه ورسوله ، إذ كيف يتهمون الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بأن ما يقوله لهم إنما يعلمه إياه رجل من اليمامة ، بينما آيات القرآن البيّنات التي يتلوها عليهم تدحض بلفظها وبلاغتها كل ادعاء مثل
--> ( 1 ) وقد أكد القرآن الكريم الحقائق التي تقوم عليها حياة محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وصفته البشرية ، وذلك بقول اللّه تعالى : « قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلّا ما شاء اللّه ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ، إن أنا إلا بشير ونذير لقوم يؤمنون » ( سورة الأعراف ، الآية 188 ) . ( 2 ) وعن إعلانهم أنهم يكفرون بالرحمن ، قال اللّه تبارك وتعالى : « كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن . قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب » ( سورة الرعد ، الآية 30 ) .