سميح عاطف الزين

351

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

لنفسه كي يقرر ويختار بين الباطل الذي جاء يعرضه ، وبين الحق الذي انتصب يقابله ، وهو الحق من ربه الذي سوّاه ونفخ فيه من روحه ، وجعل له السمع والبصر والفؤاد ، هو ومن أوفدوه إليه ، فلعلّهم يميّزون هذه العطايا العظيمة من خالقهم ، فيعودون إلى أنفسهم ويقررون على ضوئها الموقف الصواب . وأرتج على عتبة ، فآثر الصمت ، وهو يشعر في قراره نفسه بتفاهة ما جاء يعرض عليه إزاء ما أسمعه ، وأبانه له ، ووعظه به . واستعجل عتبة خطاه وهو لا يدري ممّ يهرب : هل من محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الذي لم يأت لا من قريب ولا من بعيد على ذكر المال أو الملك أو الجاه وتلك العروض السخيفة التي جاء بها إليه ، أم أنه يهرب من الحق الذي جابهه به فأخرسه . . أم أنه يهرب من نفسه السيئة التي أوكله إليها محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فوقفت له بالمرصاد ، وجعلته - رغم الخوف الذي اعتراها - لا يتناول يدي الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ويعلن إسلامه ؟ ! . إنه لا يدري فعلا ، ولكنه يستحث الخطى إلى جماعته التي تنتظره على أحرّ من الجمر ، فقد يكون في وصوله إليها ما يزيح عن صدره هذا الهلع الذي يكاد يذهب به إلى الموت من شدة الخوف . . وما إن دخل عليهم ، وهو على تلك الحالة ، حتى قالوا لبعضهم البعض : لقد عاد أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به . . وارتمى في مقعده خائر القوى ، وهو يطلب أن يعطوه فرصة كي يتمكن من استرداد أنفاسه ، ثم يخبرهم بعد ذلك بما جرى معه . ولكنهم أصروا إلّا أن يسمعوا منه على الفور ، فقال لهم :