سميح عاطف الزين

323

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

إنها السفاهة ، والبلاهة بعينها أن يعبد الإنسان صخرة ، لا تعدو كونها حجرا ملقى على الأرض . وماذا يبقى من قيمة للإنسان في مثل هذه العبادة ، وهو على هذا الخلق السوي الذي يجعله يتحرك ، ويسمع ، ويرى ، ويتكلم ، ويفكر ويشعر ، وما إلى ذلك من خصائص ميّزته كمخلوق يسمو على كثير من المخلوقات الأخرى ، وجعلته سيدا عليها ، بحيث يمكنه أن يتصرف بها ، وأن يسخرها كيفما شاء . . ثم بدلا من ذلك كله يسفّ إلى الحدّ الذي يجعله يتخذ من أحقرها وأدناها سيدا له ، بل وإلها يعبده ! . . إنها الجهالة والعمى حقا ! ولن يقبل أبو ذر بعد اليوم البقاء على هذه الوثنية المخزية ، - أجل المخزية - لأنها تخزي الإنسان وتقبّحه إن استمرّ عليها . لقد نفض أبو ذر بفطرته السليمة تلك العبادة الباطلة من نفسه ، وآمن بأنّ من خلق الإنسان ، ومن خلق مناة وكلّ ما في جزيرة العرب ، وما فوقها من سماء ونجوم وكواكب ، هو أحق بالعبادة . ولم لا يكون هذا الخالق هو اللّه الذي تؤمن به العرب ، ولكنها تعبد الآلهة الجامدة لتقربها زلفى إليه ؟ ! وها هي الفرصة تؤاتي أبا ذر ليثبت إيمانه ، إن صحّ أنّ في مكة نبيّا يدعو إلى عبادة اللّه إلها واحدا أحدا لا شريك له ، فلم لا يقتفي أثره ، ويقف على حقيقة أمره ؟ ! ومرّت أيام ، فدعا أبو ذر إليه أخاه أنيسا لكي يذهب إلى مكة ، ويتحرّى أخبار محمد بن عبد اللّه . وفي الغداة ، ومع الفجر الباكر ، انطلق أنيس الغفاري إلى مهمته في أم القرى . وما إن وصلها حتى توجه إلى الكعبة يطوف ، ثم جلس إلى