سميح عاطف الزين
294
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
السبيل هو أن يغرس العقيدة في نفوس هذه الجماعة المؤمنة من المسلمين الأوائل . . ولذلك رأى الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يتّخذ مكانا يكون بمثابة المدرسة التي يتلقى فيها المسلمون تعاليم الإسلام ، ويتفقهون بأصول الدين ويتعلمون نهجه القويم . على أن يكون المكان بعيدا عن الناس ، لأن من المهم أن يتجنّب ، منذ البدء الاصطدام ، والمواجهة مع بني قومه . ولذلك اختار دار الأرقم بن أبي الأرقم - وكان هذا سيدا من سادات قريش الذين سبقوا في الإسلام ، ودارته على مقربة من الصفا - لأنها المكان المناسب الذي يصلح لأن يجمع فيه الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تلك الطليعة من المسلمين ، ويعلّم ، ويثقف ، ويربي التربية الإسلامية الصحيحة ، ويعدّ حملة العقيدة ودعاتها . . وقد يتعجب البعض كيف يمكن لهذا النبي الأمي أن يتلقى عن ربه قولا ثقيلا ، وكيف يمكن أن يوصل مثل هذا القول ، بمعانيه الشمولية ، إلى عقول وقلوب جماعة تربّت على القسوة والغلظة . ولكن العجب يزول عندما يعلم كل أهل الأرض أنه حين كان القرآن المبين يتنزّل على قلب الرسول الشريف ، كان صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يحرص أشد الحرص على أن يحفظه بدافع حبه له ، وتمسّكه به ، وشعوره بالتبعية العظمى له ، فكان يتلوه ، ويردد آياته آية آية ، وهو يحرك لسانه به مخافة أن ينسى حرفا واحدا منه ، حتى جاءته البشرى المطمئنة بأن ربه تبارك وتعالى قد تكفل بتحفيظه هذا القرآن ، فيقرئه إياه أمين الوحي ، فينطبع في قلبه فلا ينساه أبدا ، إلّا ما شاء اللّه أن ينسيه . وهذه الطمأنينة تلقاها الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بقوله تعالى : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ( 6 ) إِلَّا