سميح عاطف الزين
240
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
كانت تجتمع فيه على النحو الأكمل والأفضل . ومن أجل ذلك أيضا كان توجهه إلى التحنث والتعبّد في غار حراء ، وفي أفضل الشهور ، وأفضل الأيام عند اللّه تعالى . . وإذا كان لجهد محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الشخصي في ذلك كله اعتباره وقيمته ، إلّا أن تسديد اللّه تعالى له كان الأقوى والأجدى . وها هي النعمة الفيّاضة تتنزل عليه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وتقوده إلى الحق ، وإلى الصراط المستقيم ، فلا تبقى نفسه حائرة بين شرع إبراهيم ، أو موسى أو عيسى عليهم السّلام ، وهي الحيرة التي كانت تقربه من الاهتداء إلى الدين الأكمل ، والشرع الأحسن . نعم لا جدال بأن نفس محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كانت تتقلّب بين كثير من الاعتبارات والقيم والمثل السامية الرفيعة ، ولكن الأصالة الكامنة في أعماق هذه النفس كانت تتوق إلى ما هو أعظم شأنا ، وأعلى درجة ، وأكمل معنى . ولذلك فقد كان هدى اللّه - عز وجل - لمحمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في نهاية المطاف ، وعلى النحو الذي شاءه سبحانه وتعالى وقدّره له ، وهو ما عناه قوله عز وجل : وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى . دعوة ذوي القربى يا محمد ! أنت رسول اللّه ، وأنا جبريل . هذه هي الكلمات الوجيزة والمعبّرة التي خاطب بها الملك جبرائيل عليه السّلام محمدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وجها لوجه ، وبيقظة تامة ، لا بالرؤيا في المنام . وكان القصد منها أن يثبت في عقله ، ويقرّ في نفسه أنه هو من اختاره اللّه تعالى ، ربّ الكون كله ، من دون الخلق جميعا ليحمل الأمانة الكبرى التي يكلفه بها ، فتكون دعوته هدى للناس ، ورحمة للعالمين . .