سميح عاطف الزين

233

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

الوحي الذي يحمل التبليغ بالنبوة والرسالة . . فهو إذن العهد إليه من اللّه تعالى ببعثه نبيا ورسولا . . ومثل هذا العهد من شأنه أن يثير في المعهود إليه كوامن الخوف من العبء الثقيل الذي تدركه نفسه فور تلقيه التبليغ . وقد يزيد من هذه المخاوف بعض الشيء صورة الملك الذي يحمل الوحي ، وهو يتمثل أمامه بصورة بشري يسدّ آفاق السماء ، مما لا يترك مجالا للنفس ، حتى ولو كانت نفس محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلّا أن تستشعر حقا ببعض الخوف من هول ما ترى . ومن قبل فقد خاف موسى عليه السّلام عندما أمره ربه تعالى أن يلقي عصاه ، فلما ألقاها ورآها حية تسعى أوجس خيفة منها ، فقال له ربه تعالى : خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى « 1 » ! فالخوف هو من كوامن الضعف البشري ، لأنه مظهر من مظاهر غريزة حب البقاء ، ولا يخاف عادة إلّا من يدرك النتائج والعواقب التي تترتب على أمر معين ، فكيف إذا كان الأمر عظيما ، من الرب العظيم ؟ . ولكنّ تلك المخاوف التي أحسّها محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في تلك اللحظات ، سرعان ما قابلها في نفسه شعور بالاطمئنان إلى ربه ، وشعور بالرضى من الخالق الكريم وهو يحمّله العهد الذي لا ينتدب إليه إلّا أنبياءه ورسله المخلصين . ومثل هذه المشاعر السامية من شأنها أن تريح النفس من أعباء الخوف ، ومن أية أعباء أخرى ، مهما كان ثقلها عظيما . ومشى محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في طريق العودة إلى مكة والوحي يلفّ كيانه . ودخل على أهله مسرورا ، مؤمنا ، ولكنه متعب الجسم ، منهوك القوى ،

--> ( 1 ) سورة طه : 21 .