سميح عاطف الزين
218
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
يتشاوروا في الأمر ، حتى لا تقع قريش في قتال يلفّها جميعها ، ولا تعرف عواقبه الوخيمة عليها . . وطال الجدال والنقاش داخل الكعبة حتى أشار أبو أمية على المجتمعين بأن يحكّموا أول من يدخل عليهم من باب الصفا ( باب السّلام ) . . وارتضى الجميع بهذا الرأي ، وهدأت العاصفة في النفوس فجلسوا ينتظرون . . وكالخاطرة العابرة رأوا محمدا أول داخل عليهم من الباب ، فهتفوا : هذا الأمين ، رضينا به حكما وعدلا . . فلما أخبروه بالأمر ، جال بأنظاره في جوانب الكعبة ، ثم توجّه بقلبه ووجهه نحو السماء ، وهو يناجي ربّ هذا البيت أن يكون له هاديا . وما هي إلا لحظات ، ثم نظر محمد إلى القوم ، وقال لهم : هلمّ إليّ ثوبا . . ثم أخذ الحجر بيديه ووضعه في الثوب ، وطلب منهم أن تأخذ كل قبيلة بطرف من هذا الثوب وأن يرفعوه إليه ، وأسرع هو يعتلي الجدار ، ويتناول منهم الحجر الأسود ويضعه في مكانه ، ثم يرصف فوقه بعض الحجارة ، حتى استوى في مكانه ، كما كان على عهده السابق . والكل ينظر إليه وهو يقدّر أنه أخذ حقه ، وأنه راض عما وصلوا إليه . . هكذا ، وبحكمته المعهودة حسم محمد نزاع القبائل من قريش ، فعادت إلى العمل ، حتى أتمت البناء ، وعادت الكعبة إلى سابق عهدها من المتانة والقدسية والطهارة ، لتكون البيت الحرام ، في البلد الحرام ، موئلا للأمن ، ومزارا للحجيج من أقطار الجزيرة كلها ، فلا يقربه عقوق ، ولا يدنسه آثم . ورأت قريش في تدبير محمد وهو يساوي بين قبائلها وبطونها ، وفي عمله وهو يمنع الاقتتال ويحجب الدم ما يزيده رفعة في المكانة ، وتقديرا في النفوس . فاعتبرت ما قام به مأثرة كريمة تضاف إلى مآثره