سميح عاطف الزين

203

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

قدميه عن الأرض رفعا سويا كأنه يقتلعهما اقتلاعا . فترقب سيره بانتظام ، غير متخايل ولا متمايل ، بل يجلله الوقار من رأسه إلى أخمص قدميه . . ويجلس محمد بأدب الرجل الكامل واحتشامه ، فكأنما لا وعث ولا سفر ، اللهمّ إلا تأخير لباس رأسه قليلا فوق شعره الكثيف الأسود ، وهذا العرق الذي يتصبب على جبينه ووجهه كحبات الندى الصافي ، وقد أحسّت منه خديجة رائحة الطيب والمسك ، وهي تقدم له شرابا يبرّد غلته . وأخبرها محمد عما جرى معه في رحلته ، وما أصاب من أرباح وما حمل من سلع ومتاع حتى انتهى فقام مودّعا على اليمن والبركة . وطلبت خديجة على عجل مولاها ميسرة ، ليخبرها عن كل شيء وبأدقّ التفاصيل عن كل ما سمع ورأى في مرافقته محمدا أثناء سفره إلى الشام ، فقال ميسرة : - مولاتي ، إن الحديث يطول كثيرا ، وقد يستغرق أياما عديدة ، ولكن ما أستطيع قوله هو أنّ محمدا إنسان عظيم ، فما رأيت في حياتي قطّ مثيلا له : في صدقه ، وأمانته ، وحسن معشره ، ومعاملته ، وفي رقة حديثه ، وقوة بأسه ، وصلابة رأيه . . إنسان متواضع ، جلّ نظره إلى الأرض لشدة تواضعه ، يسبق من يلقاه بالتحية ، ويبادر أصحابه بالمصافحة . . دائم التفكير ، طويل السكوت ، وكأن شيئا عظيما يمكن في أعماق نفسه ، لا يتكلم في غير حاجة ، وإن تحدّث فإنه يتكلم بجوامع الكلم ، وبلهجة الصادق ، الواثق . وإن خلقه لدمث ، وإنه لأجود الناس كفّا وأجرؤهم قلبا ، وأوسعهم صدرا . بل إنه يا سيدتي أوفى الناس ذمة ، وألينهم عريكة ، وأكرمهم عشرة . من رآه هابه لشدة وقاره وجلاله . يتصرف بالعزم والحزم ، ويأخذ كلّ أمر بجديّة . . لا يخالطه