سميح عاطف الزين
194
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
قتلى ، دية العدد الزائد على قتلاهم من الفريق الآخر . وقد دفعت قريش دية أحد عشر قتيلا . وقعت حرب الفجار ومحمد على عتبة السادسة عشرة ، من عمره الشريف ، لأنه كان قد أمضى أربع سنوات في الرعي والتجارة بعد سفره مع عمه إلى الشام . وكان من الطبيعي أن يعيش أجواء تلك الحرب ، فمقت فجورها ، وعاب من أهاجها . وقد رأى فيها فعلا - كغيره ممن يعظمون حرمة الكعبة - حربا فاجرة تخزي وتجلب العار . . فهي إثم في مكانها لأنها انتهكت حرمة البيت الحرام ، وهي إثم في زمانها لأنها انتهكت حرمة الأشهر الحرم . . فكان خليقا به ألّا يشارك فيها لا من قريب ، ولا من بعيد . ويؤكد ذلك أن عمه أبا طالب قد لعنها ومنع بني هاشم من الدخول فيها ، فكيف يرضى محمد أن يخوض غمارها ، وهو فوق مقته لها ، لا يخيب لعمه ظنا ، ولا يفسد له رأيا ؟ . وفي تلك المرحلة من حياته ، كان محمد قد انصرف إلى التأمل والتفكير في الحقائق المطلقة . وهذا التوجّه من شأنه أن يصرف صاحبه عن أمور الدنيا العادية ، وأن يرتفع به عن المشاغل التي كانت تجعل حياة العرب رتيبة . . لقد كان يتوق إلى تغيير الأوضاع ، وكان يتوق إلى الكمال ، فهل يعقل أن تطغى حرب الفجار على كل ذلك في نفسه ، فيندفع للمشاركة فيها ، فيجمع السهام ويدفعها إلى أعمامه ، أو يرمي السهام بنفسه ؟ ! . . حاشا ، أن يفعل محمد شيئا من ذلك ، ونحن قد عرفنا بأن اللّه تعالى يوجّهه ، ويرعى خطاه ، ليعدّه في اليوم العظيم ، إلى الشأن العظيم الذي كتب في اللوح المحفوظ . وإذا كان بعض كتّاب السيرة يوردون بأنه شارك في تلك الحرب ، بصورة أو بأخرى ، وبأنه هو