سميح عاطف الزين
187
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
أعماقها البصائر . كان إذا جاءت الأشهر الحرم يذهب مع أهله إلى الأسواق المجاورة لمكة بعكاظ ومجنّة وذي المجاز ، حيث تقام إلى جانب أسواق التجارة بالأموال أسواق الأدب ، وندوات البلاغة والبيان . . فيشهد المباراة بين الشعراء ، وإنشاد المعلقات ، ويستمع إلى ما تحفل به من صناعة البيان في الفخر ، والكرم ، والغزل ، وما تمتلئ به من التباهي بالأنساب والشجاعة والاعتزاز . . وكان يستمع إلى خطب الخطباء ، وفيهم يهود ونصارى ، حيث يفتخر هؤلاء بتعاليم موسى وعيسى عليهما السّلام على وثنية العرب ، ويتباهون بدين اللّه الواحد على عبادة الأصنام والأوثان ، فيرى في آرائهم خيرا من المعتقدات الأخرى ، وقربا من الحقائق التي يستشعرها في نفسه . . ولكن ما كان يعجب منه هو اختلاف هؤلاء مع بعضهم ، وإصرار كل طائفة منهم على أنها وحدها على الحق ، وما عداها على الباطل . فكان يقول في نفسه : إن كانوا أهل دين التوحيد ، وأصحاب العقائد السماوية فلم إذن هذه العداوة والبغضاء بينهم ، ولم هذا الحسد والتعصب والحقد على بعضهم البعض . . إنهم يظهرون أمام الناس أعداء ألدّاء ، ولو أمكن لفئة أن تقضي على الأخرى لما قصّرت في ذلك ، فهل هذا هو دين الإله الواحد الذي يدعون إليه ؟ ! . . أبدا لا يمكن أن يكون ذلك صوابا ! . . أجل كان محمد يسمع ويرى في تلك الندوات من المحاورات والمجادلات ما يجعل الناس على مذاهب شتى ، وعلى فرقة في المعتقدات والدعوات ، وعلى تشتت في الآراء والنزعات . . فكان يتفكّر في ذلك كله ، ويزنه بميزان عقله وقلبه فلا يجد فيه الحقيقة التي تجمع الناس وتؤلف فيما بينهم . . أو الحقيقة التي يتنسّم طريقها الصحيح من شاء الاهتداء إليها . .