سميح عاطف الزين
186
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
هذا هو حال بعض التجار في كل زمان ومكان ، وليس في عهد مكة القديم . إذ إن أصحاب المشاريع الاقتصادية الكبرى ، وأصحاب رؤوس الأموال - في أيامنا - هم الذين يؤثرون في تنصيب الحاكم ، وصنع القرار ، والتحكم بمصائر الشعوب . وكل ذلك تحت شعار الحرية الاقتصادية . تلك الأوضاع التي عرفها محمد ، والأساليب المخزية التي يمارسها التجار ، قد أثارت سخطه واشمئزازه ، لأن النفس الإنسانية الأبية ترفض كل ذلك وتعافه . فمثل محمد لا يرى أن يكون التاجر إلا إنسانا قانعا ، عادلا ، رحوما ، يعامل الناس بالأمانة ، ويجني الأرباح بالاعتدال . ولقد أراد محمد التخلي عن المتاجرة ، والعودة إلى رعي الغنم ، إلا أن حاجة أحد تجار مكة ، وهو السائب بن أبي السائب ، إلى إنسان شريف وأمين ، يساعده في تجارته الواسعة ، قد دفعته لأن يعرض على محمد العمل معه . . وكان هذا التاجر شريفا على خلاف غيره من تجار مكة . ووجد فيه محمد الرجل الذي يمكن الوثوق به ، بعدما تبين له أنه أقام تجارته على الاستقامة والقناعة ، ولا يتلاعب بالكيل والميزان ، ولا يستحلّ الطمع والغش ، مثله في بيع المفرّق كمثله في بيع الجملة ، سواء بسواء في النزاهة والمعاملة . . فأعجبته تلك الخصال ، وراح يعمل معه على النهج القويم في البيع والشراء . ولم يكن اهتمام محمد منصبا على العمل والكسب وحدهما . فقد كان يجد في نفسه توقا دائما إلى معرفة كل ما يدور في محيطه ، وفي نوادي بني قومه . ولا يقل هذا التوق لديه عن معرفة ما في هذه الدنيا بأسرها ، وما في هذه السماء التي تتطلع إليها الأبصار ، دون أن تنفذ إلى