سميح عاطف الزين

185

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

عمه ، لأنه الجواد الكريم المضياف ، بل والأكرم في قريش مكانة واحتراما . . أليس في ذلك ظلم من الحياة لهؤلاء الأشراف ، الأباة ، الأخيار ؟ . . وصار همّ محمد اليومي البحث عن عمل أفضل من الرعي ، حتى يوفر من المال ما يذهب عن عمه بعض ضائقته ، ويجعله يتغلب على هذه الظروف التي يعاني العسر فيها . كانت التجارة مقصده في تلك المرحلة من حياته . فاتصل ببعض تجار مكة ، يعرض رغبته في العمل معهم ، ولكن ليس لقاء أجر بل لقاء ربح يناله من عمله . ولم يشأ أن يعمل بالأجر ، وبذلك هو لم يكن أجيرا لأحد قط « 1 » . . فلقي الترحيب من أولئك التجار ، وهو أمر طبيعي ، لأن أهل مكة جميعهم ، تجارا وغير تجار ، يعرفون محمد بن عبد اللّه الذي يمتاز بالصدق والأمانة ، ويتحلّى بالخلق الحسن ، والسلوك الطيب ، رغم حداثة سنه ، ونضوج فتوته . . راح محمد يعمل في التجارة داخل مكة ، ولكن سرعان ما بدأت حقيقة التجار تتكشف له ، إذ وجد أكثرهم لا يقيمون وزنا إلا للأرباح وكسب الثروات ، أما كيف يدخل المال عليهم ، وبأية طريقة يعملون ، فهذا لا اعتبار له في نظرهم . إنهم لا يأنفون من اللجوء إلى المضاربات ، وإيقاع الخسائر الفادحة بالبسطاء منهم . ولا يتورعون عن احتكار السلع ، ورفع الأسعار لسلب الناس مزيدا من أموالهم . . يتاجرون بلا وازع من ضمير ، ولا خوف من حاكم ، ويتحكمون في لقمة عيش المساكين ويستغلون الفقراء بلا رادع ، تحميهم قوة الأموال ونفوذ العشيرة ! . . .

--> ( 1 ) تاريخ اليعقوبي ، ج 2 ، ص 21 ، ط صادر .