سميح عاطف الزين

184

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

وكانت معجزات عيسى ابن مريم عليه السّلام : أن يكلم الناس في المهد صبيا ، ويبرئ الأكمه والأبرص ، ويحيي الموتى بإذن اللّه تعالى . وتلك وغيرها ، مما لا يعدّ ولا يحصى كلها من صنع اللّه العلي القدير . . فليس المهم ، بعد ذلك ، أن تظلل الغمامة محمدا أو أن لا تظلله أية غمامة ، ما دامت قدرة اللّه تعالى ترعاه ، وعينه الساهرة تصنعه ، وتعدّه للأمر الجلل . وهو ما أثبته التاريخ ، وصدق به علم الراهب بحيرا ، عندما بعث محمد وصار له الشأن العظيم . على كل حال فقد كان ذلك اللقاء المبارك . وغادرت القافلة بصرى من أرض حوران ، حيث سارع أبو طالب إلى بيع تجارته ، دون أن يتوغل في بلاد الشام خوفا على ابن أخيه من بني يهود ، وقفل راجعا به إلى مكة - كما نصحه بذلك الراهب النصراني المخلص - غير عابىء بما أصاب من مال قليل في تلك الرحلة ، ما دامت أموال الأرض كلها لا تعدل شعرة في رأس حبيبه محمد ، وما دام يحافظ على العهد الذي قطعه لأبيه عبد المطلب في أن يكفل حفيده ويرعاه ويصونه ، ويفي بما عاهد عليه نفسه أمام ربه بأن يحميه حتى آخر رمق من حياته . . أجل بمثل هذه الروح العالية عاد أبو طالب إلى مكة ، وقد بات محمد مدار اهتمامه ، ومثار عطفه وحبه . وكان محمد يرقب مدى هذه الرعاية الفياضة من عمه ، ومقدار هذا الحنان الكبير الذي يغدقه عليه ، فيحسّ بالاطمئنان والأمان في كنف هذا العم العظيم . . ولكن ليس أمان نفسه ما يهمه ، بل حياة عمه بكثرة عياله وقلة ماله هي ما يقضّ مضاجعه . إنه لا يجد معنّى للراحة ، وهذا البيت الذي يؤويه لا يتوفر له العيش الهانىء ولا يرفل بالبحبوحة واليسر . فهو يعلم بأنّ الفقر يقهر