سميح عاطف الزين

181

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

إنّ من الثابت في التوراة والإنجيل - قبل التحريف الذي أدخلته عليهما الإسرائيليات - أن نبيا يبعث بعد عيسى ابن مريم عليه السّلام . وقد دلّ الكتابان السماويان على صفات هذا النبي وعلاماته ومميزاته . . وكان أهل العلم من يهود ونصارى أدرى الناس ببعثه آخر الزمان . فإذا اجتمع العلم الصحيح والإيمان الصادق لصاحب ذي علم مثل الراهب بحيرا ، فإن هذا العالم المؤمن يهدي إلى الحقيقة الجليلة التي تنضح بأمارات النبوة وبالعلامات التي تدلّ على الإنسان الذي يعدّه اللّه تعالى ليكون من أنبيائه المختارين . والحدث الهام في لقاء بحيرا بالغلام العربي الهاشمي محمد بن عبد اللّه هو إيمان الراهب النصراني بحقيقة النبوّة التي ستكون ، والتبشير بها عملا بالبشارة التي نزلت في الكتب السماوية . وأما الحكمة الإلهية من هذا التبشير ، فتكون بالتأكيد على أن النصرانية هي التي تبشر بالإسلام لأنهما في حقيقتهما هما دين اللّه الواحد ، الدين الحنيف الذي دعا إليه أبو الأنبياء إبراهيم عليه السّلام ، وحمله المرسلون من اللّه تعالى إلى أهل الأرض في كل زمان ومكان . . فالنصرانية المؤمنة هي الأولى بأن تبشّر بأحمد الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل . ولذلك صار على أهل العلم من النصارى أن يكونوا أولى بمعرفة محمد وبمعرفة الشأن العظيم الذي سيكون له في الناس ، انطلاقا من عقيدتهم الحقة . أما ما قيل عن الغمامة التي توردها كتب السيرة ، وأن الراهب بحيرا قد رآها وهي تظلل الشجرة التي يستلقي تحتها محمد ، فإن المؤرخين المسلمين يجعلونها سببا لدعوة الراهب بحيرا الغلام محمدا والتحدث إليه . وسواء أكانت الشجرة أم الغمامة ، أم هما معا ، فإن ذلك يشير إلى الأمر الذي شاءه اللّه تعالى وهو أن تكون النصرانية هي المبشّرة