سميح عاطف الزين

180

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

الاستحلاف ما يثير الشك والظن في نفس الراهب ؟ أبدا ! . . ولذلك قال له : باللّه إلّا أخبرتني عما أسألك ! . فقال له محمد : الآن ، سل عما بدا لك . . وراح الراهب يستوثق منه عن سيرة حياته ، وعما صادف من أمور أثارت فيه كوامن التفكير والشعور ، فكان محمد يردّ عليه بكل صدق وإخلاص ، ويشرح له ما يرغب في معرفته ، وكأنه شيخ مجرب خبرته السنون ، وصهرته الأيام ، وليس غلاما في الثانية عشرة من عمره . . ورأى الراهب بحيرا ، أخيرا ، وبما انتهى إليه من معرفة بهذا الغلام ، بأن علامات النبي الذي سيبعث في آخر الزمان هي أكثر ما تنطبق عليه ، ولكنه لم يجرؤ على البوح بعلمه علنا وصراحة ، لأن ذلك قد يشكل خطرا على الفتى ، بل وعليه هو نفسه من بني اليهود الذين يعرفون العلامات التي جاءت في كتبهم والتي تدلّ على النبي المنتظر . فآثر أن يشير على أبي طالب ألّا يألو جهدا في رعاية محمد والحفاظ عليه ، لأنه سيكون له شأن عظيم في مقبل أيامه . ثم نصحه أن يعود بابن أخيه إلى مكة لأن في عودته خيرا له من التجارة والأموال ، وذلك عندما قال له : « فارجع بابن أخيك إلى بلده ، واحذر عليه يهود ، فو اللّه لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنّه شرّا ، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم ، فأسرع به إلى بلاده » « 1 » . ونتساءل : ما الذي دفع الراهب بحيرا لأن يبدي تخوفه على هذا الغلام ، ويجعله ينصح عمه بأن يعيده إلى مكة يا ترى ؟

--> ( 1 ) السيرة النبوية لابن هشام ، م 1 ، ص 194 .