سميح عاطف الزين
177
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
التجارية ، ووجود الكعبة الشريفة مقصد الحجيج من أنحاء شبه الجزيرة كلها ، وإقامة الندوات وأسواق الشعر والخطابة حيث كانت تزدهر في تلك الأسواق تجارة البيان والبلاغة إلى جانب تجارة السلع والبضائع . . وكان محمد يرقب ذلك كله ، فأراد أن يعمل بالتجارة حتى يؤمن الكسب الحلال الوافر لهذا البيت الكريم الذي يحتضنه ويؤثره على أبنائه . . وقد وجد الفرصة سانحة عندما رأى عمه أبا طالب يتهيأ للخروج في تجارة له إلى الشام ، فعرض عليه مرافقته في تلك الرحلة . وتردّد عمه في بادىء الأمر خوفا عليه من التعب ، ووعثاء السفر ، وهو ما زال غضا ، طريّ العود ، وقد لا يستطيع تحملّ المشاق والصعاب . . ولكنه وجد عنده إرادة وعزما قويين في مرافقته ، فاستجاب لحماسه ، ووافق على سفره معه ، مؤثرا أن يكون ابن أخيه إلى جانبه ، فيتمرّس على أعمال التجارة ، ويتدرّب على معالجة الأمور التي قد تصادف المسافرين ، وخاصة إذا كان في السفر فوق مشاقّه ، السهر على الأموال ، وتوفير روح التعاون بين الرجال . وسارت القافلة في طريقها إلى بلاد الشام ، وراحت تجتاز المسافات الطوال ، والركب يتحدث عن الأقوام التي عاشت في مدين ، وثمود وغيرهما . وكانت أحاديثهم أقاصيص وأخبارا متداخلة من شأنها أن تسلّي المسافرين ، وتساعدهم على قطع الطريق ، عندما يتعبون من الأهازيج ، والحداء ، ومبادلة الأشعار ، وما إلى ذلك مما تجود به القرائح لا سيما وأنّ بلاد الشام بعيدة ، وتستغرق الليالي والأيام الطويلة لبلوغها . وكان محمد يستمع إلى كل ذلك ، ويستفسر من عمه عما يتحدث به الرجال ، فيجود عليه أبو طالب بما يبعد عن نفسه السأم والضجر ،