سميح عاطف الزين

172

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

وهو يقول لهم : « دعوا ابني فو اللّه إن له لشأنا » « 1 » ، فكان يجلسه بقربه على فراشه ، دون أحد من أبنائه ، أو غيرهم من الناس . . ومن شدة اهتمام سيد مكة بحفيده ، فقد أبقى معه الجارية أم أيمن لتعيش في وسط عائلته مثل عيشهم ، عزيزة مكرّمة ، وذلك لما وجد عندها من حب له ، ورعاية يقظة عليه . وكانت هي بدورها قد وجدت في محمد المتنفّس لعواطفها ، والملاذ لمشاعرها الإنسانية ، إذ كانت وحيدة ، محرومة من عطف الأهل ، ومن حنان الأبناء ، فقيّض اللّه تعالى ابن سيدها المرحوم عبد اللّه ، ليكون بمثابة الابن لها ، سيما وأنها رافقت حياته منذ كان جنينا في بطن أمه ، وشهدت لوعته على فراقها ، وحملته إلى جده بعد المأساة ، فحق لها أن تلازمه ، وأن تكون البرّة به ، كما كانت وفية لأهله . وعاش محمد في كنف جده عبد المطلب حتى إذا بلغ الثامنة من عمره ، فاجأته النكبة الجديدة ، التي لا تقل عن نكبته بأمه . . فقد حانت الساعة لأن يفارق عبد المطلب ، ابن الثمانين حولا ، هذه الدنيا ، فألقي على فراشه يعاني سكرات الموت ، وعيناه تنظران إلى السماء تارة ، وإلى الباب تارة أخرى ، حتى إذا دخل حفيده محمد عليه ، وأسرع يرتمي فوقه ويحضنه وهو في فراشه ، فاضت روحه إلى خالقها ، وكأنها كانت تنتظر وصول هذا الصبي حتى يلقي عليه جدّه نظرة الوداع الأخير . . وبكى محمد هذا الجدّ بمدامع العين ، وزفرات القلب . . ثم مشى في قافلة التشييع ، وراء نعشه ، حتى ووري في التراب ، فبكى الناس

--> ( 1 ) السيرة النبوية لابن هشام ، م 1 ، ص 178 .