سميح عاطف الزين
171
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
حب جده عبد المطلب كافيا وحده ، فقد أدناه منه ، حتى أنه كان لا يأكل إلا إذا حضر « 1 » ، ولا ينام إلا إذا اطمأن عليه في إغفاءته . . فكان حريا بتلك المشاعر الإنسانية النبيلة أن تبعد عن محمد أي أثر للوحدة ، أو للانكماش على الذات ، وأن تدفع عنه الانفعالات التي تؤذي الأولاد في مثل عمره ، عندما لا يجدون حولهم من يعطف عليهم ، ومن يطيب خاطرهم ، أو يهتم لأمرهم بما ينمي فيهم الطفولة الصافية السليمة . وتلك الرعاية المباركة ، التي كان اللّه سبحانه وتعالى يوجهها ، قد ذكرها القرآن الكريم ، وبيّن أن رب محمد هو الذي آواه ، وأنعم عليه بالمأوى الطيب الذي يبعد عنه غوائل اليتم والتشردّ مصداقا لقوله تعالى : أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى . نعم إنه فضل اللّه تعالى على محمد ، وقد اختار له بيت جده عبد المطلب ليجد فيه المأوى والكفيل ، في تلك الفترة الحرجة من حياته ، فكان ما قدّر اللّه تعالى ، وكان ما شاء سبحانه وهدى . وعاش محمد في كنف جده على تلك الصورة الرائعة من العناية والرعاية ، بل وزاد في تألّقها ، أن جده الحكيم ، وبما أودع فيه خالقه من حصافة ورجاحة عقل ، كان يرى بأن في حياة حفيده سرا خطيرا سوف يجعل له شأنا عظيما ، ولذلك جعل له منزلة خاصة من دون الآخرين ، إذ كان من عادته أن يوضع له فراش في ظل الكعبة ، فيتحلّق حوله أبناؤه ، وعلية القوم من قريش وزعماء مكة ، فلا يجلس عليه أحد إجلالا له . فكان محمد يأتي ، فيشير جده لمن حوله أن يدعوه ، وألّا يعترضه أحد ،
--> ( 1 ) الصحيح من سيرة النبي الأعظم ، الجزء الثاني ، ص 91 .