سميح عاطف الزين

162

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

العذاب . وكان الفراق ، وحملت حليمة السعدية رضيعها محمدا بين أحضانها ، وانطلقت به وهي تشعر في كل خطوة تخطوها نحو مكة وكأن الأرض تميد بها من تحتها . . ولكن بقي في نفسها أمل ورجاء ، فسوف ترى ما يخبّىء لها الغد ! . . وكانت العودة التي تنتظرها آمنة بفارغ الصبر ، فما أن أطلّت عليها حليمة بطفلها حتى ثارت من مكانها تحتضنه بلهفة وشوق ، وتدنيه من صدرها وهي تشد عليه ، وتلمس كل جزء من أجزاء بدنه ، فلا تدري أين تقبله ، ولا تشبع من تمريغ وجهها بأنامله الطرية . إنها تريد في لحظات أن تعوّض ما فاتها في سنتين ، فاندفعت في تلك الإشراقة الروحانية لا تلوي على شيء في الوجود ، فكأنما عواطفها تسيل بين أحضانها ، وكأنما دفق حنانها يحيلها إلى عالم آخر ليس فيه إلّا أمومة تذوب في حب الأبناء . ويطول عناق الأم لطفلها . بينما ترقب الأم المرضعة هذا المشهد بكل روعته ومهابته وجلاله ، فتأخذها رهبة تجعلها ترتعش ، ولشدة تأثرها تخور قواها ، وتخونها رجلاها فتجثو على ركبتيها وهي تشرق بالدمع . . فما تصورت أبدا أن يبلغ وجد هذه الأم على وليدها هذا المقدار ، لأن ما تشهده أبعد من كل تصور ، ومن أي تخيّل ، فقد بدا واضحا أمامها أن طفل آمنة يستغرق كل كيان أمه ، وأن حياتها لصيقة بحياته ، وكأن لا وجود لها بدونه . . ويهدأ أخيرا غليان قلب هذه الأم ، فتجلس وقد امتلأت اطمئنانا ، وقرّت عينا . . وتحين منها التفاتة ، فترى حليمة على تلك الحالة من التأثر والانفعال ، فتتقدم ، وتأخذ بيدها ، وتدنيها منها ، وهي تعتذر عن