سميح عاطف الزين

160

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

وكانت حليمة تجيب : بلى واللّه إنها أتاني . . ولكن ما إن وضعت هذا اليتيم في حجري حتى شعرت بأني أخذت نسمة مباركة ، فأقبل عليه ثدياي باللبن . . وما ركبت هذه الدابة إلّا ووثبت بي كأنها لم تعرف عجفا ، وإنّ ناقة زوجي أحسن حالا أيضا . . وبين ليلة وضحاها تبدل بيت حليمة من حال الفقر والجوع إلى شعور بالأنس والرجاء وإلى كفاية في المؤونة . ثم تقبل الأيام ، وتصدق مشاعر عائلة الحارث بن عبد العزى ، فقد راحت حياتها منذ أن دخل الرضيع عليها تتبدل كل يوم ، فالعسر بدأ يسحب أذياله عنها ، والفقر يلملم أطرافه من زوايا بيتها . فعمل الحارث في رعي الطروش والمواشي لشيوخ بني سعد ، ثم اشترى نعاجا له ، فما جاء الموسم إلّا وولدت توائم ، وفاض الخير والبركة على البيت حتى صار سعيدا بعون اللّه تعالى ورأفته . . ولم يكن ليخفى على حليمة وعائلتها بأن تلك النعمة التي أدركوها إنما كانت بفضل محمد الرضيع . فصار الابن الغالي للعائلة كلها ، وموضع الرعاية والعناية من جميع أفرادها . . فإن نام رانت على البيت السكينة ، وإن أفاق سارعت الشيماء - بنت حليمة - تحضنه قبل أمها . أما ربّ البيت فلا يهنأ له عيش عندما يريح في المساء ، قبل أن يحمل محمدا ويشبع نفسه منه شمّا ولثما . وإنّ ملاطفته ومداعبته - وهو يضحك له - كانت تبعد عنه أتعاب النهار ، فينام هانئا ، مسرورا . ولم تكن عائلة الحارث بن عبد العزى هي وحدها التي نعمت من بركات الرضيع محمد ، بل إن قبيلة بني سعد بأسرها قد لمست مكرماته ، ونالت من وجوده بين ظهرانيها خيرا عميما : فقد هطل المطر في تلك السنة ، وانحسر الجفاف عن باديتهم ، فامتلأت مراعيهم بالعشب ،