سميح عاطف الزين
159
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
وتعرف آمنة أن هذه المرأة التي دخلت عليها هي حليمة بنت أبي ذؤيب وأنها زوجة الحارث بن عبد العزى من بني سعد بن بكر بن هوازن ، وأنها وإن كانت تبدو امرأة نحيلة فقيرة ، إلّا أن حديثها وكياستها يدلان على أنها إنسانة طيبة ، رؤوفة ، رحيمة . فاطمأنت إليها آمنة وأرسلت في طلب حميها عبد المطلب فجاء ، وأقرّها على أن تحمل حليمة السعدية حفيده ، وهو يقول لهذه المرأة : « أنا جده ، أقوم مقام أبيه ، فإن أردت أن ترضعيه دفعته إليك ، وأعطيتك كفايتك » « 1 » . فقالت حليمة : واه يا مولاي ، إنه الشرف واللّه لي ولعائلتي أن أرضع ابنك . فإن دفعته إليّ يا سيد قريش فتلك منى القلب ، وسوف أكون خير مرضع ، وخير أم لطفل نبيل ، ابن نبلاء . وكانت حليمة قد جاءت على أتان قمراء ، هزيلة ، وزوجها على ناقة مسنّة عجفاء ، لا تكاد إحداهما تقوى على السير ، فكانت مرضعات بني سعد تتقدم عليهما مسافات طويلة في الطريق ، وهنّ يرثين لحالهما . . أما الآن والركب عائد إلى مضارب بني سعد ، فإن الحال قد تبدّل ، وتغير كل شيء بالنسبة إلى حليمة وزوجها ، فهما يبدوان سعيدين ، فرحين ، لما نالا وحصلا عليه . وأما هذه الأتان وتلك الناقة فكأن الحياة دبّت فيهما من جديد وهما تقطعان الركب ، وتغذان السير بسرعة أذهلت النساء جميعا ، فكان بعضهنّ ينادي على حليمة قائلا : - ويحك يا ابنة أبي ذؤيب ، انتظرينا ، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها ؟ !
--> ( 1 ) البحار جزء 15 ص 373 .