سميح عاطف الزين

124

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

الشيوخ في تفكرهم وتشاورهم ، وعبد اللّه وإخوته ورفاقه في مكانهم لا يبرحونه ، حتى يعرفوا ما استقرّ عليه الرأي . . . وأخيرا جاءهم البشير بأن القوم قد اختاروا بعض رجالاتهم ليذهبوا إلى عرّافة في يثرب ، قد ذاع صيتها في الكهانة والحنكة ، وهي أقدر من سائر الكهان ، كي تدلّهم على طريقة يفدى بها الذبيح ، ويحفظ على الناذر وفاؤه . واندفع الرجال نحو يثرب ، وقد أبى عبد المطلب رغم ضعفه ، إلّا أن يرافقهم . وراحوا يغذون السير ، وكأنهم يتسابقون مع الزمن : فقد تموت العرافة ، أو قد يصيبها سوء ، ولمّا يصلوا إليها بعد ! . . وعرفت يثرب بقدوم أهل مكة ، وفيهم سيد القوم عبد المطلب ، فجاء كبراؤها يستقبلونه ضيفا عزيزا ، وكبير قوم حلّ في ديارهم . ولكنه أبى الضيافة معتذرا ، وما مراده إلّا تلك العرافة في بلدهم علّها توحي إليه بالأمل . . وتفهّم القوم مصابه ، فعذروه ، وجنّدوا أنفسهم لخدمته . . وجئ بالعرافة يستفتونها في قضية الوفاء بنذر عبد المطلب . ورأت ما للناس في مكة ، وفي يثرب من اهتمام بهذا الأمر ، فاستمهلت إلى الغد لتبدي ما تراه . وباتت يثرب ساهرة ليلها مع الحدث ، حتى طلع الصباح ، فجلست العرّافة مترنحة في مقعدها ، وهي ترى الأنظار كلها مشرئبة إليها ، والنفوس متلهّفة لرأيها . . ثم راحت ، تسأل أهل مكة : كم الدية عندكم يا قوم ؟ فأجاب عبد المطلب سريعا : عشرة من الإبل . قالت العرافة : إذن فارجعوا إلى دياركم ثم قربّوا صاحبكم وعشرة