سميح عاطف الزين

118

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

سواء طال الأمد أم قصر ، فالكل على حاله ، والكل يريد أن يقدم نفسه قربانا ليفي بنذر أبيه . وتطول الجلسات بين عبد المطلب وأبنائه ، وتمتد الأحاديث والذكريات حتى تصل الليل بالنهار ، وكأن أمر الذبح لم يعد يعنيهم . إلّا أن الأب كان كلما مرّ عليه الوقت مزقه الألم ، وكوته اللوعة . . وذات ليلة ، وقد ران السكون عليهم ، بخلاف ما كان مألوفا في لياليهم التي خلت ، إذا بهم ينصتون إلى ما يحدّث به أبوهم نفسه وهو يقول : « يا للّه ما أصعب أن ينتزع الإنسان بيديه حبة قلبه ، ولكن القضاء محتوم ، والمشيئة واقعة ، وليس لنا إلّا الصبر على البلاء » . . وراحت الدموع تتدحرج على خديه ، وقد بات واضحا لهم أن أباهم يتمنى أن يكون هو الذبيح ، وأن يكونوا هم الذين ينحرونه على مذبح الفداء ، وإذا بالدموع تملأ مآقيهم الحرّى ، وإذا بهم يقومون إليه ويتحلّقون من حوله ، وهم يلثمون يديه ورجليه ، ويقولون بلسان واحد : لا تبتئس يا أبانا ، ستجدنا إن شاء اللّه من الصابرين . ويحاول عبد المطلب ألّا يشيع في نفوس أبنائه حزنا أكثر ، فيقول لهم بلهجة الأب العطوف : - يا رياحين روحي ، ويا حبات قلبي ، أنتم واللّه أبنائي وعشيرتي . وإن الأمر ، كما تعلمون ، جليل . ولكن الاستسلام لمشيئته تعالى هو سبيلنا . وقد أشار عليّ المخلصون إلى أمر نحن عليه عازمون ، فغدا سوف نأتي بالقداح ، ويأخذ كل واحد قدحه وعليه اسمه ، وعند الكعبة وأمام مقام أبينا إبراهيم سوف تضرب القداح ، فمن خرجت قدحه كان القربان للّه ربنا .