سميح عاطف الزين
113
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
وتناهت أخبار عبد المطلب إلى قريش ، فجاءت تكبر فيه عمله الجبار ، وجهده ، هو وابنه الحارث ، وهي تهتف لهما هتاف الإعجاب والنصر ، بينما عبد المطلب يرى الفضل في ذلك لله تعالى ، الذي شاء أن يعيد للبئر مكرمتها . . ثم لا تلبث أفواه قريش أن تبتلع هتافاتها ، التي ما كانت إلّا توطئة للمطامع التي حملتها . . إذ لا يمكن أن تقبل بأن يستأثر عبد المطلب بكنوز الكعبة وحده ، بل هي تطلب النصيب الأوفى منها ، فأبناء قريش أحق العرب بالكعبة ، وأقرب الناس مجاورة لها ، فلم لا تكون كنوزها كنوزهم ، وأموالها أموالهم ؟ ! . وهبّ عبد المطلب مغاضبا في وجوه القوم ، وقد حان الوقت ليفرغ ما في نفسه من وجد على هذه الطغمة من قريش التي أعمتها الجهالة عن الحق ، واستبدت بها الأطماع ، فجاءت تطالب بغنيمة سائغة ، لم تنفق في سبيلها أدنى نزر من جهد . وراح عبد المطلب يعيّرهم بمواقفهم منه : فقد تناسوه وهو يشقى في أعمال السقاية ، ولم يمدّ أحد منهم يد العون له ، أو يشفق على ولده الوحيد وهو يجهد إلى جانبه في الحفر أياما وليالي طويلة . . ثم ألم تكن غايته ، وهم يعرفونها حق المعرفة ، تأمين السقاية لحجاج البيت الحرام ، كي تظل هذه العادة الشريفة قائمة على مدى الأزمان ، ويحمدها الناس في كل بقاع الأرض ، إلى أي أرض انتموا ، وعلى أي دين كانوا ؟ . . . وبعد ، أفلا يعرفون أيضا أن في سلوك عبد المطلب ما يدفع عنه كل تهمة في طمع أو استئثار بمال ، فكيف إذا كانت أموال الكعبة ، وقد برز فيهم سيدا « يقطع يد السارق ، ويمنع من طوف العراة ، ويوفي بالنذر ، ويؤمن بالمعاد ، ويحرم الزنا ، والخمر ، ونكاح المحارم ، وكان