سميح عاطف الزين

109

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

فلعلّ في بئر زمزم التي عفت عليها السنون ، وطمرتها الرمال في طيات الأرض ما يشفي غليل نفسه . وظل الهاتف يعاوده ، ويلحّ عليه في حفر زمزم ، وهو لا يدري ما يفعل إلّا أنه يعلم أن في الأمر سرا علويا ، وأن فيه الخير كل الخير . وإلّا فلم هذا الهاتف الذي لا يفارقه كلما كان في جوار الكعبة ؟ وليس هذا الموضوع هو ما يحيّره وحده ، بل إن هنالك أيضا مشكلة ، وهي أنه لا يعرف مكان البئر ، بعد أن مرّت أجيال على عهد مضاض الجرهمي الذي طمرها . وكان على عبد المطلب أن يسأل فذهب إلى الطاعنين في السن ، وإلى الرواة وحفظة أخبار العرب ، يتقصّى منهم خبر بئر زمزم . ولكنّ جميع من التقاهم لم يشفوا غليله ، فكل ما عرفه منهم أن بئر زمزم كانت على مقربة من مكة ، ولا تبعد كثيرا عن البيت الحرام ، وهذا لم يزد في علمه شيئا ، ولم يعطه بارقة أمل في معرفة المكان الذي يجب أن يحفره . ومع ذلك فقد عزم عبد المطلب على العمل ، وراح يحفر بناحية ارتآها ، ولكنه بعد جهد طويل لم يجد في تلك الناحية إلّا الجفاف ، الذي يضرب في طول الرمال وعرضها ، فلا رطوبة ، ولا مياه تهدي للباحث طريقه . وحاول في عدة أماكن أخرى ، وكلها بدون جدوى ، حتى كلت يداه وساعداه ، وكاد ظهره يحدودب . وزاد في شقائه أن ابنه الوحيد الحارث لم يكن يفارقه في عمله ، بل كان يهبّ معه قبل طلوع الفجر ، ويظل إلى جانبه يزيح الرمال أو يضرب بالمعول حتى تكاد تحرقهما الشمس فيتركان العمل إلى فجر الغد التالي . .