السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

24

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

وذلك أنه صلى اللّه عليه وسلم بعد أن خرج من الغار وسار مع صاحبه أبي بكر وخرج من عمران مكة التفت إليها وقال أنت أحب البلاد إلى اللّه وأحبها إلي ، ولولا أن المشركين أخرجوني لم أخرج منك ، وقد وضعت هنا كغيرها بإشارة من السّيد جبريل وأمر من النّبي صلى اللّه عليه وسلم كما هي في علم اللّه ، وتعد مكية لأن المدني ، ما نزل في المدينة بعد وصله إليها أو في غيرها ، وكذلك المكي هو ما نزل قبل الهجرة في مكة أو غيرها كما أشرنا إليه في المقدمة ، وإنما قال أخرجوني لأنهم أرادوا إخراجه حين مذاكرتهم في دار النّدوة ، وقد خرج بإرادة اللّه تعالى ليس إلّا كما أشرنا إليه في الآية الآنفة الذكر من سورة العنكبوت لأن اللّه تعالى قدّر على خروجه منها ظهور دينه للناس أجمع وعلو شأنه على غيره وفتح مكة على يده ، ولأنه لو لم يخرج بطوعه على الصّورة المذكورة لأدى بقاؤه فيها إلى مقاتلة بينه وبين قومه وهو لا يريد قتالهم مع قوته بعشيرته ، وتعهد اللّه له بالنصر عليهم . قال تعالى « أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ » وهو محمد وأصحابه « كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ » من الكفار « وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ » ( 14 ) في إخراج حضرة الرّسول واختيار عبادة الأصنام على عبادة الملك العلام كلا لا يستوون عند اللّه ، وبينهما كما بين ما أعده اللّه لكل منهما . وما قيل إن المراد بهذه الآية أبو جهل أو غيره من الكفرة المحرّضين على إخراج الرّسول من مكة لا يقيدها بهم ، بل هي عامة فيهم وفي غيرهم من الكفار ، على أن أبا جهل قتل في حادثة بدر الأولى الكائنة في السّنة الثانية من الهجرة وهذه السّورة نزلت في ذي القعدة السّنة السابعة منها ، فبينهما خمس سنين وشهران ، لأن غزوة بدر في رمضان ، ولكن الآية مكية فيجوز إدخال أبو جهل واضرابه فيها ، إذ نزلت على أثر ما دبروه في قصته صلى اللّه عليه وسلم . قال تعالى « مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ » متغير الطّعم ولا منتن من طول المكث أو طرح شيء فيها كأنهار الدّنيا ، بل هي صافية طيبة عذبة « وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ » لأن التغيير من خصائص الدّنيا وما فيها ، أما الآخرة فلا تغير فيها ، كما أنها هي لا تتغير على كر الأزمان « وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ »