السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
192
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ « دُونِ اللَّهِ » ربكم الواحد الفرد الصّمد . من جميع أوثانكم « لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً » ولا أقل منه وأحقر « وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ » كلهم وتعاونوا على خلقه لما استطاعوا البتة . والأنكى من ذلك أنه إذا وقعت على شيئهم لا يقدرون على منعه ، ولكن لأنه كلما ذب آب إلّا إذا قتلوه « وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ » على ضعفه وهوانه « شَيْئاً » من الأشياء أو جزءا قليلا منه « لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ » أيضا ولا يقدرون على استخلاصه منه مع عظمهم بالنسبة إليه إذ قد « ضَعُفَ الطَّالِبُ » الذباب السّالب « وَالْمَطْلُوبُ » 73 المسلوب منه وهي أوثانهم لأن منها ما هو جماد وهو أضعف من الذباب بدرجات كثيرة وعابدوها أجهل من كلّ جاهل داخل من كلّ مثال ، لأن الذي لا يحمي نفسه من الذباب كيف تطلب منه الحماية ، وكيف يعبد ، وكيف يرجى منه جلب نفع أو دفع ضر ؟ وإن كان حيوانا فهو كذلك أيضا بل أكثر شرا لاحتياجه للأكل والشّرب والحراسة ، وإن كان إنسانا فكذلك ، لأنه لا يقدر أن يحرس نفسه من أقدار اللّه ولا يتحرك إلّا بإذن اللّه وإرادته ، وهو متبرئ من عبادتهم ، وان اللّه خالقهم وخالق كلّ شيء ، أفلا يعبدونه مع كمال عظمته وبالغ قدرته ويركنون إليه عند حاجتهم في الشّدة والرّخاء ، ولهذا فاتركهم يا سيد الرّسل فإنهم جهال « ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ » ولا عرفوه حق معرفته ولا مجدوه حق تمجيده وما علموا غاية قبح فعلهم إذ أشركوا به وسموا باسم ما هو أبعد الأشياء عنه ، تقدم مثل هذه الجملة في الآية 68 من سورة الزمر والآية 91 من الأنعام ج 2 ولفظ الذباب لم يكرر في القرآن « إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ » على خلق الممكنات بأسرها وإفناء الموجودات كلها « عَزِيزٌ » 74 غالب قاهر لجميع الأشياء وهذه الجملة تعليل لما قبلها من نفي معرفتهم له تعالى . قال ابن عباس كانوا يطلبون الأصنام طيبا فيقع الذباب عليها فيسلبها طيبها فلا تقدر على منعه ولا يقدر الكفرة حراسها على استرداد ما سلبه منها فكيف يقدرون على خلقه ، ثم ساق حكاية أخرى من أحوال الكفرة من قولهم ( لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا ) الآية 22 من سورة الفرقان ج 1 وقولهم ( ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا ) * الآية 31 من سورة