السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
184
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
مطلب قصة الغرانيق وإثبات وضعها وما جاء فيها بالكتاب والسّنة والإجماع والقياس والعقل : وقد نزلت هذه الآيات الأربع بمكة بعد سورة والنّجم كما أوضحناه بآخرها في ج 1 وسبب نزولها هو تسلية الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم عما أشاعه قومه من ذكر أصنامهم وتذكير له بأن السّعي لإبطال آيات الأنبياء أمر معهود من قبل لوقوعه مع الأنبياء السالفين ، وانه سيئ مردود وهباء لا بقاء له ولا أثر ، واعلام بأن الأنبياء هو ومن قبله عليهم الصّلاة والسّلام إذا قرءوا شيئا من آيات اللّه ألقى الشّيطان بحسب طبعه وجبلّته الشّبه والتخيلات فيما يقرءونه على اتباعه الخبثاء النّفوس مثله ليجادلوا به بالباطل ، ويردوا ما جاء به الرّسل قال تعالى ( وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ ) الآية 121 من سورة الأنعام وقال ( وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ) الآية 141 منها أيضا ج 2 وقال تعالى ( وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ ) الآية 32 من الفرقان ج 1 ومن ذلك قولهم عند سماعهم قول اللّه تعالى بتحريم الميتة انظروا كيف يحرم ذبيحة اللّه لأنه هو أماتها ، فكأنه ذبحها ويحل ذبيحة لنفسه وغيره . وعند سماعهم قوله جل قوله ( إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) الآية 99 من الأنبياء المارة في ج 2 يلقون في قلوب أوليائهم أن عيسى وعزيرا والملائكة عبدوا من دون اللّه ، وان محمدا يعدّهم من حصب جهنم ، راجع تفسير هذه الآية واخساء ابن الزبعري فيها . وعلى هذا يحرز أنه صلّى اللّه عليه وسلم عندما قرأ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الآية 19 من سورة النّجم المذكورة آنفا وكان صلّى اللّه عليه وسلم يرتل القراءة ويفصل بين الوقفات بسكنة قصيرة فترصد الرّصاد الملعون تلك الفواصل ، قدّس الكلمات المشهورة المبينة هناك بين سكتاته محاكيا صوته عليه السّلام وألقاها في أذن أوليائه الكافرين فطبعت في قلوبهم الميّالة لها ، فظنوها من قراءته صلّى اللّه عليه وسلم فراقت لهم ، ولذلك لما سجد صلّى اللّه عليه وسلم سجدوا كلهم معه تبعا لأصحابه عند قراءة آية السّجدة من السّورة المذكورة ، ولم يقدح هذا السّجود بالمسلمين لأنهم لم يسمعوا ما سمعه الكفار ، وإنما سمعوا السّجدة فسجدوا كعادتهم