السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

162

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

أثبتها لها في هذه الآية إذ قال ( يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ ) وهذا ظن باطل ناشئ عن عدم قديره في كنه كلام اللّه المبرأ من كلّ ظن وشك وزعم ووهم وريب وشبهة ، فضلا عما يزعمه من التناقض ، لأن من أدرك المعنى وعرف المغزى زال عنه ما توهمه من إثبات النّفع والضّر في هذه الآية ونفيهما في الأولى لأن اللّه تعالى صفة الكافر على عبادته في الدّنيا جمادا ، لا يملك ضرا ولا نفعا ، وهو يعتقد فيه جهلا وضلالا أنه ينتفع فيه حين يستشفع به ، ثم قال يقول هذا الكافر يوم القيامة بدعاء وصراخ حين يرى استقراره بسبب الأصنام وإدخاله النّار بعبادتها ولا يرى أثرا للشفاعة التي ادعاها له في الدّنيا لمن ضره إلخ تدبر . واعلم أن هذه اللام الدّاخلة على من ليست بزائدة كما ذكره بعض المفسرين إذ لا زائد في كتاب اللّه كما أشرنا إليه غير مرة ، وما قيل إن ابن مسعود قرأ بدون اللام لا يستدل به على زيادتها ، وأحسن الأقوال فيها أنها موطئة للقسم أي يدعو واللّه لمن ضره أقرب من نفعه إلخ . هذا ويتجه انطباق الآيتين على رؤساء الكفرة الّذين كانوا يفزعون إليهم ، لأنهم قد يضرون وينفعون ، وذلك لأن اللّه تعالى بين في الآية الأولى أن الأوثان لا تضر ولا تنفع ، والآية الثانية تقضي كون المذكور فيها ضرا نافعا ، فلو كان المذكور في هذه الأوثان لزم التناقض ، فثبت أنهم الرّؤساء بدليل قوله تعالى ( إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ إلخ ) وهذا الاتجاه كما ترى والأوّل أولى وأسلم ، واللّه أعلم . واعلم أن هذه الآيات الثلاث نزلت في أعراب المشركين الّذين كانوا يأتون المدينة من البادية فيدخلون بالإسلام ويقطنون فيها ، فإذا رأوا صحة بأجسادهم ونتاجا في مواشيهم ونسائهم وزيادة في أرزاقهم قالوا دين حسن فيركنوا إليه ، وإذا كان على العكس قالوا لم يصبنا من هذا الدّين إلّا الشّر ، فيتركون المدينة ويرجعون إلى باديتهم مرتدين ، وذلك لأن دخولهم في الإسلام لم يكن لمرضاة اللّه ولا لابتغاء وجهه ولا لأنه دين الحق ، بل لمطامع دنيويّة يزول بزوالها ، إذ لو كان إيمانهم عن رغبة صادقة ونية خالصة وحب قلبي طلبا لما عند اللّه في الآخرة لما ارتدوا مهما أصابهم من البلاء ونابهم من العناء وذاقوا من الفتن ، فلم يثنهم عنه شيء حتى القتل ولم يزدهم الامتحان فيه إلّا تمسكا به وشوقا بلقاء اللّه ، أملا