السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

94

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

قال تعالى « قُلْ » يا سيد الرسل لهؤلاء الذين يريدون أن يهوّدوا الناس أو ينصروهم زاعمين أن ما هم عليه من الدين بعد بعثتك هو الحق « أَ تُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ » وتجادلوننا فيه وتخاصموننا من أجله « وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ » فنحن وأنتم فيه سواء ، لأننا كلنا مربوبون له « لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ » لا أحد يستفيد من الآخر شيئا ، ولا يثاب على عمله ، ولا يعاقب ، بل كل مسؤول عما يفعل ، فله ثوابه وعليه عقابه « وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ 139 » بالقول والعمل إسلاما وإيمانا ، وقد نسبتم إليه يا أهل الكتاب الولد ، وأنتم أيها المشركون عبدتم غيره ، ومنكم من جعل الملائكة بناته ، تعالى عن ذلك وتقدس ، وقد علمتم أن الدين المرضي هو الذي يأمركم به أنبياؤكم قبلا ، الذي منه متابعة محمد عند بعثته . نزلت هذه الآية عندما قال أهل الكتاب لحضرة الرسول إن ديننا أقدم من دينكم والأنبياء كلهم منا ونحن أولى باللّه منكم ، قال تعالى « أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى » في زعمكم كلا لم يكونوا كذلك ، وزعمكم هذا باطل لا يستند إلى كتاب أو كلام رسول ، فإن لم يذعنوا لقولك « قُلْ أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ » أعلم بما كانوا يدينون به كيف وقد أخبر بأنهم كانوا مسلمين ، فلما قال لهم ذلك وعلموا أنه الحق لما عرفوه من كتابيهم سكتوا وخرسوا ، « وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ » وذلك أنهم يعلمون مما في كتبهم أن إبراهيم وولده كانوا مسلمين ، وأن محمدا من ذريته ، وأنهم وإن عملوا ما عملوا من الكتم والإخفاء ، فإنه لا يؤثر في الحقيقة الواقعة ، « وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ 140 » إن أنتم أغفلتم هذا وكتمتموه ، فاللّه تعالى مطلع رقيب ناظر على جميع أعمالنا وأعمالكم ، وهي محصية عنده وسيجازينا عليها الخير بأحسن منه والشر بمثله . قال تعالى « تِلْكَ أُمَّةٌ » أمة إبراهيم وولده « قَدْ خَلَتْ » ومضت وقد أحصي عملها « لَها ما كَسَبَتْ » من الثواب « وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ » من العقاب « وَلا تُسْئَلُونَ » أنتم « عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ 141 » تقدم مثلها حرفيا وكررت لاختلاف مواطن المجادلة التي يحسن فيها التكرار للتذكير والتأكيد .