السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

85

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

وأقدامنا « إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ » كثير الرجوع بالمغفرة على عبادك « الرَّحِيمُ 128 » بهم ، ولا حجة في هذه الآية لمن جوز صدور الذنب من الأنبياء ، لأن العبد وإن اجتهد في طاعة ربه لا ينفك عن التقصير أحيانا بسهو أو غفلة أو بترك ما هو خلاف الأولى والأفضل ، ولهذا قالا ( وَتُبْ عَلَيْنا ) لا أنه من ذنب كذنوبنا ، بل هو على حد حسنات الأبرار سيئات المقربين ، وقد بينا في سورة طه في الآية 121 ج 1 ما يتعلق في هذا البحث مفصلا فراجعه . قال تعالى « رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ » في تلك الأمة المسلمة والجماعة المؤمنة المخلصة في إيمانها « رَسُولًا مِنْهُمْ » الضمير يعود إلى قوله ( أَهْلَهُ ) في الآية المتقدمة ، وقد أجيبت دعوتهما ، إذ بعث اللّه من ذرية ابنه إسماعيل محمدا صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين « يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ » يبلغهم كلامك الذي توحيه إليه « وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ » يبين لهم معانيه وحقائقه ودلائل التوحيد والنبوة والأحكام ، وقد ذكر أولا التلاوة لأجل التلقي والدراسة والحفظ ليبقى مصونا عن التبديل والتحريف ، ثم ذكر التعليم الموقوف على أسراره ومراميه « وَالْحِكْمَةَ » الإصابة بالقول والعمل للوقوف على مغازيه ، إذ لا يسمى الرجل حكيما إلا إذا اجتمع له الأمران لأنه إذا قال ولم يصب كان جاهلا ، وإذا عمل ولم يصب كان أحمق ، وإذا أخطأ فيهما كان أخرق ، راجع الآية 269 الآتية « وَيُزَكِّيهِمْ » من أدران الذنوب بما يتلوه عليهم ، ويعلمهم أحكام دينه وشرائع سنته مما وافق سنة وشرع من قبله أو خالفهما ، لأنهما الموافقان لعصره بإرادة اللّه تعالى وتشريعه لهم في الأزل ، « إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ » الغالب القادر « الْحَكِيمُ 129 » فيما تشرع لعبادك من الأوامر والنواهي الموافقة لحكمتك . وقد أجاب اللّه دعاءهما هذا كله ، وأجمع المفسرون على أن المراد بهذا الرسول هو سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، لأن هذا الدعاء وقع بمكة وإسماعيل عاش وتزوج ومات بمكة ، وزوجته من عرب جرهم الذين أقاموا فيها كما مرت الإشارة لهذا في الآية 33 من سورة العنكبوت في ج 2 ، ولم يبعث من ذرية إبراهيم في مكة نبي بعد إسماعيل إلا محمد صلّى اللّه عليه وسلم . روى البغوي بإسناد الثعلبي عن العرباض بن سارية عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : إني عند اللّه مكتوب خاتم النبيين ، وإن آدم لمنجدل في طينته ( مطروح