السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

8

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

إذ يطلعه على ما في قلوبهم « وَما يَشْعُرُونَ 9 » أن اللّه تعالى يوحي لرسوله حقيقة حالهم وما يسرون من أقوالهم ويعلنون منها ، ولا يعلمون أن وبال عملهم هذا راجع عليهم بالفضيحة بالدنيا والعذاب بالآخرة ، والذين هذه صفتهم يكون « فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ » شك وشبهة . وأصل المرض الضعف والخروج عن حد الاعتدال الخاص بالناس ، ولهذا فإن أكثر أهالي دمشق يعبرون عن المريض بالضعيف ، وسمي الشك في الدين والنفاق مرضا لأنه يضعف الدين ، كما أن المرض يضعف البدن ، وكذلك الفكر لما قيل فكر ساعة يهضم عافية سنة ، فهذا الذي يحصل لهم يضعف دينهم وأبدانهم ، أجارنا اللّه تعالى من ذلك « فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً » أشغل قلوبهم به لأنهم كلما كفروا بآية ازداد كفرهم وكثر بلاؤهم وضاق صدرهم « وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ » زيادة على مرضهم الذي يحرك في صدورهم ويحز قلوبهم من شدة الحسد للمؤمنين فتشتعل أفئدتهم غيظا « بِما كانُوا يَكْذِبُونَ 10 » في أقوالهم الصدرية المذكورة ، ثم بين نوعا آخر من أفعالهم القبيحة فقال جل قوله « وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ » بتهيج الفتن وإثارة كوامن القلوب من الأحقاد القديمة بين الناس مما يؤدي لقتالهم بعضهم مع بعض ، وذلك أنهم يذكرون ما وقع بين أجدادهم من الأحداث ليغتاظ أحقادهم ، فيتكلمون بما معناه الانتقام ، فتثير ثائرة المظلومين على الظالمين بما يؤدي لوقوع القتال بينهم بسبب إثارة الضغائن القديمة . والإفساد خروج الشيء عن استقامته والانتفاع به ، وضده الإصلاح « قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ 11 » بعملنا لأنا نداري به المؤمنين والكافرين معا ، فكذبهم اللّه بقوله عز قوله « أَلا » تنبيه ليتيقظ المخاطب « إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ » لأنهم يجالسون الكفرة ويفشون لهم أسرار المؤمنين ويغرونهم عليهم . والمدارة ليس كما زعموا لأنها جائزة إذا كانت لمنفعة مشروعة كالإصلاح بين الناس ، على أن لا تضر بالدين ، أما إذا كانت غير جالبة لمنفعة ولا دافعة لمضرة فتكون من قبيل بيع الدين بالدنيا ، وذلك حرام ، لأنها تكون مداهنة راجع الآية 9 من سورة نون في ج 1 ، وان عملهم ذلك ليس من هذين القسمين وإنما هو بقصد إثارة الفتن ونقض الجروح القديمة وتهييج الخواطر بين الناس مما قد يؤدي إلى القتل ،