السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

60

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

هذا ، وقد أضاف اللّه تعالى ما فعله آباؤهم إليهم لرضاهم به ، والراضي بالشيء كفاعله ، ولأنهم أنفسهم مصرون على ما فعله أسلافهم بيحيى وعيسى ومحبذون له . قال تعالى « وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ » حينما ذهب لميقات ربه ليأتيكم بالتوراة « وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ » ( 92 ) كرره تأكيدا لإيقاع الحجة عليهم وتبكيتا بهم وتقريعا « وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ » وقلنا لكم « خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ » كرره أيضا لتلك الغاية بزيادة قوله « وَاسْمَعُوا » سماع قبول وطاعة لما تؤمرون به . ونظير هاتين الآيتين الآيتان المارتين 51 و 67 . قال تعالى حاكيا عنادهم « قالُوا سَمِعْنا » قولك « وَعَصَيْنا » أمرك ولولا مخافة هبوط الجبل علينا لما سجدنا « وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ » بأن تداخل حبه وتغلغل في قلوبهم فاندمج فيها ، والأصل حب العجل وقد حذف إيجازا والحذف في مثله كثير في القرآن لأنه من أنواع البديع ، وعبر بالشرب لأن من أراد حصر الحب أو البغض استعار له اسم الشراب لأنه أبلغ مساغا في البدن ، ولهذا قال الأطباء الماء مطية الأغذية والأدوية . وكان شدة حبهم العجل « بِكُفْرِهِمْ » بسببه حرصا على عبادته « قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ » الذي تزعمونه إشارة إلى قولهم ( نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ) والمخصوص بالذم ما تقدم من قولهم ( سَمِعْنا وَعَصَيْنا ) وعبادة العجل ، وفي إسناد الأمر إلى الإيمان تهكم بهم ، وفي إضافة الإيمان إليهم إيذان بأنه ليس بإيمان حقيقة ينبئ عنه قوله جل قوله « إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » ( 93 ) لأن حرف ( إِنْ ) يؤذن بالشك ويدل على عدم الوقوع غالبا وهو تكذيب لهم من اللّه بدعواهم الإيمان ، أي لو كنتم مؤمنين ما فعلتم « قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ » كما تزعمون وهذا إشارة لقولهم ( لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى ) في الآية 111 الآتية ، ولقولهم ( نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ) الآية 21 من المائدة الآتية بما يدل على أنهما نزلنا قبل هذه الآيات ، أي إذا كنتم كما تزعمون من خلوص الدار الباقية لكم « فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » ( 94 ) لأن من علم أن الجنة مأواه أحب الإسراع إليها تخلصا