السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

599

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

وقدمنا ما يتعلق بالهجرة في الآية 59 من سورة العنكبوت ج 2 فراجعها ففيها كفاية . ثم استثنى اللّه تعالى العاجزين حقيقة بقوله « إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ » الذين « لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً » في الخروج لفقرهم وعجزهم « وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا » ( 98 ) إليه بسبب ضعفهم وصغرهم « فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ » وعسى من اللّه تعالى إطماع وترج ، وإذا أطمع اللّه عبده ورجّاه أوصله وأعطاه وهو أكرم من أن يخيب عباده كيف وهو القائل أنا عند ظن عبدي بي « وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً » ( 99 ) لا يضيق عفوه ولا ينقص فضله ولا يقل ستره عن أمثالهم . قال ابن عباس كنت أنا وأمي من المستضعفين روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال لما رفع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم رأسه من الركعة الثانية ، قال اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين بمكة ، اللهم اشدد وطأتك على مضر ، اللهم اجعلها عليهم سنين كني يوسف . ثم رغب اللّه في الهجرة بقوله « وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ » فارا بدينه من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام ليتمكن من القيام بما فرضه اللّه عليه واجتناب ما نهى عنه ، كما أمر وأراد « يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً » طريقا يسلكه على رغم أنف من يهاجر عنهم ومتحولا يتحول إليه ومحلا ينزل به في المحل الذي يهاجر إليه غير أرضهم ومتجولا رحبا « كَثِيراً وَسَعَةً » في الرزق والمحل « وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ » قبل بلوغ مهاجره « فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ » بمقتضى فضله ووعده « وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً . . » ( 100 ) بهم يستر ما مضى منهم ويدخلهم في سعة رحمته . قال ابن عباس لما نزلت الآية الأولى وشاعت في مكة . قال شيخ من بني ليث اسمه جندح بن حمزة ، واللّه ما أنا ممن استثنى اللّه ولي من المال ما يبلغني المدينة ، واللّه لا أبيت بمكة وكان مريضا فأخرجوه على سرير ، فلما وصل التنعيم أدركه الموت فصفق بيمينه على شماله ، وقال اللهم هذه لرسولك أبايعك على ما بايعك رسولك . ثم مات ، فقال المشركون ما أدرك ما طلب ، وقال المؤمنون لو وافي المدينة لتم أجره ، فأنزل اللّه هذه الآية الدالة على أن المهاجر له إحدى