السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
579
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
كان جماعة من المستضعفين كعبد الرحمن بن عوف الزهري والمقداد بن الأسود الكندي وقدامة بن مظعون الجمحي وسعد بن أبي وقاص ، يقولون يا رسول اللّه ائذن لنا في قتال المشركين لأنهم آذونا ، فقال لهم كفوا عن القتال لأني لم أومر به ، وثابروا على دينكم ، فأنزل اللّه « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ » بعد أن هاجروا من مكة إلى المدينة وأمروا به « إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ » أي أهل مكة الذين كانوا يطلبون الإذن بقتالهم « كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً » من اللّه « وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ » الآن هلا « لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ » يريدون الموت لأنه مهما طال أجله فهو قريب ، وهذا سؤال منهم عن وجه الحكمة في فرض القتال عليهم ، لا اعتراض على حكم اللّه ، بدليل أنهم لم يوبخوا عليه بل أجيبوا بقوله عز قوله « قُلْ » يا سيد الرسل لهؤلاء وزهدهم فيما يطلبون من البقاء بالدنيا وما يؤملون بالقعود عن القتال ، وطلب التأخير إلى الأجل ، ورغبهم فيما يتالون بالقتال من النعم ، لأن ما يريدونه هو « مَتاعُ الدُّنْيا » وهو عند اللّه « قَلِيلٌ » تافه سريع الزوال لا قيمة له « وَالْآخِرَةُ » التي نريدها لهم ذات النعيم الدائم والخير الجزيل والأجر الكبير فهي « خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى » السوء في هذه الدنيا الفانية الزهيدة ، فميلوا إليها لتوفوا ثوابكم كاملا « وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا » ( 77 ) من أعمالكم الصالحة فيها بل تضاعف لكم . ولما كان المنافقون لا يزالون يرددون قولهم في قتلى أحد لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا كما مر في الآية 157 من آل عمران ، أنزل اللّه جل شأنه ردا عليهم « أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ » لا خلاص لكم منه إذا حل أجلكم وإذا كان الأمر كذلك فالقتل في سبيل اللّه أفضل من الموت على الفراش . قال علي كرم اللّه وجهه أن الجهاد باب من أبواب الجنة ، فتحه اللّه لخاصة أوليائه وهو لباس التقوى ، ودرع اللّه الحصينة ، فمن تركه ألبسه اللّه ثوب الذل ، وشمله البلاء وقيل فيه : إن موتا في ساعة الحرب خير * لك من عيش ذلة وخضوع