السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
516
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
فتنفقوا منها جميعا ، لأنه لا يجوز الإنفاق من مال اليتيم وفي حال خلطها مع أموالكم عدم مبالاة في حفظها ومدعاة للإنفاق منها على أنفسكم دونهم ، إذ يجب على ولي اليتيم أن يفرق بين أمواله وأموال يتيمه وأن ينفق على نفسه وغيره من ماله فقط ، وعلى اليتامى من أموالهم إنفاقا بالمعروف إذا لم تسمح نفسه بالإنفاق عليهم من ماله وعدهم من جملة عياله « إِنَّهُ » الأكل من مال اليتيم أو تبديله بأحسن منه « كانَ » عند اللّه ولا يزال « حُوباً كَبِيراً » ( 2 ) إثما عظيما عقابه عظيما عند اللّه . مطلب في أخلاق الجاهلية وفوائد السلطان للبلاد والعباد . وأكل مال اليتيم : كان رجل من غطفان معه مال كثير لابن أخيه ، فلما بلغ منعه عمه منه ، فترافعا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فتلا عليهما هذه الآية فقالا أطعنا اللّه والرسول ونعوذ باللّه من الحوب الكبير ، ودفع إلى اليتيم ماله . هكذا كانت طاعة العرب الذين يسمونهم بعض الناس في خطبهم أجلافا ، وما كانوا بأجلاف وإنما هم شم الأنوف ، وقد هذبهم الإسلام فألانهم ، وإلا فإن الخصال التي كانت عندهم من المروءة والشهامة والكرم ومكارم الآداب والأخلاق والعفو والصفح والعطف ، لم تتحل بها أمة من الأمم الراقية لا قبل ولا بعد ، وإنما يتأسى بهم من يفعل فعلهم ، نعم كانت عندهم عصبية بعضهم لبعض وكان بينهم ظلم وفحش وجور وغلظة وقساوة من مقتضيات عاداتهم الجاهلية التي طبعوا عليها من مئات السنين ، وقد محاها الإسلام وحرمها وأبدلها بأضدادها ، ورب شيء محمود بالجاهلية مذموم في الإسلام ، كما يكون ممدوحا في الشرع ومذموما بالطب وبالعكس ، راجع ص 17 من حاشية الباجوري على ابن قاسم في كتاب الطهارة ، وقد بقي آثار من أعمالهم الجاهلية في البوادي ووصلت إلى القرى ، وقد توجد الآن عند بعض الأرياف فإنهم لا يورثون اليتيم ولا المرأة بل يرثونها ، وذلك لقلة علمهم وعدم وجود العلماء عندهم وكثرة طمعهم ، والقصور كله على الحكومة التي أهملتهم وتركتهم على ما هم عليه ، وإلا لو أرسلت إليهم النصاح والمرشدين والمعلمين لما بقي لهذه العوائد من أثر ، اللهم بصرهم لينفعوا عبادك وينشروا القسط في بلادك ، لأن زمام الأمور بيد السلطان ، وانه ليزع به أكثر مما يزع بالقرآن ، فهو القطب الذي عليه مدار الدنيا ، وقوام