السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
49
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
هبوطه عليهم ، ولذلك يسجدون حتى الآن على أنصاف وجوههم ، زاعمين أنه إنما رفع عنهم هبوط الجبل بمثله . قال تعالى « ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ » الميثاق الذي أخذ منكم قهرا على القبول بأحكام التوراة وحدودها أعرضتم عن قبول ما فيها وأدبرتم وتركتم العمل بها ، ولم تخشوا أن بوقع بكم ما رفعه عنكم أو ينزل بكم ما هو أعظم « فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ » بكم بتأخير العذاب وإمهالكم للتوبة « لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ » ( 64 ) بذهاب دينكم ودنياكم لأنكم غبنتم بضياع دنياكم سدى وسببتم لأنفسكم عذاب الآخرة اختيارا ورضاء . قال تعالى « وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ » إذ جاوزوا حدود اللّه فيه لإقدامهم على ما نهوا عنه فيه احتيالا على اللّه وخلافا لأمره « فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ » ( 65 ) مبعدين مطرودين من رحمة اللّه ، فكانوا ، وحولت صورهم البديعة الإنسانية إلى صور قبيحة حيوانية ، « فَجَعَلْناها » أي الفعلة التي أوقعناها بهم « نَكالًا » عقوبة عظيمة وعبرة مؤثرة وعظمة بليغة « لِما بَيْنَ يَدَيْها » الذين حضروها منهم « وَما خَلْفَها » الذين يأتون بعدها من الأمم بتكرر السنين ، إذ ينقلها السلف بصورة مستمرة إلى الخلف جيلا بعد جيل « وَمَوْعِظَةً » جعلناها « لِلْمُتَّقِينَ » ( 66 ) يتذكرون بها لأنها من أيام اللّه في عباده ومواقعه في بلاده ، ويذكرون غيرهم بها ليعلموا كيفية فعلنا بهم . وخلاصة هذه القصة أن اللّه حرم على اليهود صيد السمك يوم السبت ، وقد ابتلاهم بأن ألهم السمك ذلك فصاروا يظهرون فيه عائمين على وجه الماء ، كما أخبر اللّه عنهم في الآية 162 من الأعراف في ج 1 ، فسوّلت لهم أنفسهم أن حفروا حياضا كبارا قرب الشاطى ، وشرعوا لها من البحر جداول يجري فيها الماء إليها فيفتحونها يوم الجمعة ، ويبقونها حتى صباح الأحد ، فيتسرب السمك إليها فيسدونها عليه من جهة البحر ، فيبقى السمك عائما فيها لا يستطيع الرجوع إلى البحر ، وإذا هرب إلى البرّ مات ، فيضطر للبقاء في الحياض ، فيأتون ويأخذونه دون كلفة ، وبهذه الصورة احتالوا على صيده ، وذلك في زمن داود عليه السّلام ، واستمروا على ذلك مدة ، ولما رأوا أن اللّه لم يعاقبهم قالوا قد أحل لنا العمل في السبت ،