السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
42
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
بعد ذهاب موسى إذ كان وعدهم أولا ثلاثين ليلة ، ولم يعلموا بزيادة العشر ، فلما مضت ظنوا أنه مات ، لأن العقيدة الدينية في قوم موسى لم ترسخ في قلوبهم بعد ، مع ما أظهره اللّه على يديه من الآيات الباهرات ، ولهذا بادئ الرأي أذعنوا وسمعوا قول السامري وعكفوا على عبادة العجل ، قاتلهم اللّه ، إن موسى دعاهم إلى اللّه سنين ، وأظهر لهم المعجزات الباهرة ، فلم تثبت دعوته إلى اللّه الفاعل المختار في قلوبهم ، وبكلمة بسيطة من السامري أذعنوا حالا لعبادة العجل الذي هو من صنع يده ، وانقادوا له ، ولهذا قال تعالى « وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ 51 » في ذلك ، لأن العجل عبارة عن صنم ، فكيف تصدقون إلهيته بلا تأمل ، ولا تدبر وبأنه إله موسى ، وأن موسى نسيه « ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ » الفعل القبيح ، وقبلنا تربتكم « لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 52 » حسن صنيعنا بكم من قبولكم بعد الإعراض وما أسلفناه لكم من النعم التي لا تقدر ولا يقدر أحد أن يعملها معكم ، فضلا عن نعمة خلقكم وتمتعكم بجوارحكم وحواسكم وإدرار الرزق عليكم وإيوائكم . مطلب في الشكر وتوبة بني إسرائيل والميقات الثاني : واعلم أن الشكر ثلاثة أنواع : شكر بالقلب وهو تصور النعمة ، وشكر باللسان وهو الثناء على مؤتي النعمة ، وشكر بالجوارح وهو مكافأة المنعم على النعمة . وقيل في ذلك : أفادتكم النعماء مني ثلاثة * يدي ولساني والضمير المحجبا قال موسى عليه السّلام : إلهي أنعمت علي النعم السوابغ ، وأمرتني بالشكر ، وإنما شكري إيّاك نعمة منك ، فأوحى اللّه تعالى إليه يا موسى تعلمت العلم الذي لا فوقه علم ، حسبي من عبدي أن يعلم أن ما به من نعمة فهي مني . وقال داود عليه السّلام : سبحان من جعل اعتراف العبد بالعجز عن شكره شكرا كما جعل اعترافه بالعجز عن معرفته معرفة . قال تعالى « وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ » التوراة « وَالْفُرْقانَ » عطف بيان على الكتاب ، أو معرفة الفارق ما بين الحق والباطل لأول نظرة دون تأمل ، بأن يلقي اللّه تعالى في قلبه عند مشاهدة الشيء أو سماع القول ، هذا حق وهذا باطل « لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ 53 » بهديه