السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

400

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

وهو التنصيص على أشنع الحالات وأقبحها أسلوب معروف في لغة العرب وكتاب اللّه وسنة رسوله ، لأنه أدخل في الزجر وأقوى باعث على امتثال النهي ، لا أنه هو العلّة التي يدور عليها الحكم وجودا وعدما ، بل العلة غيره ، وهذا هو أقبح الصور التي سيتحقق فيها ، والذي يقطع الشك في تحريم القليل والكثير ويرد قول القائل بحل قليل الربا الذي يعين بالاجتهاد على زعمه الفاسد ( ويجهل أن لا اجتهاد في مورد النص ) ويعتبران آية ( أَضْعافاً مُضاعَفَةً ) ناسخة لآية ( وَحَرَّمَ الرِّبا ) لأنها مطلقة ومتأخرة عنها والمتأخر ينسخ المتقدم أو يقيده أو يخصصه ، قوله تعالى ( وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لأنها جملة حاصرة للخبر المقدم على المبتدأ المؤخر وللصفة على الموصوف ، لأن معناها لكم رؤوس أموالكم التي خرجت من أيديكم لا غيرها ، ثم تأكيدها بقوله ( لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ) فهو تأكيد يدفع كل احتمال ويقطع كل شك ويجتث كل شبهة ، لأن معناه لا تظلمون الآخذ بأن تأخذوا منه أكثر مما أعطيتموه ، ولا تظلمون أنفسكم بحط شيء من رأس مالكم فتأخذوا أنقص منه إلا ما عفوتم ، وعلى هذا فلم يبق من شك أن الحكم للعام باتفاق العلماء وعلى جميع قواعد الأصوليين . على أنا قد ذكرنا آنفا في تفسير الآية 275 من البقرة أن هذه الآية مقدمة في النزول على آية البقرة لأنها آخر آية نزلت في العقود ، فلم يبق محل لدعوى النسخ ، تدبر ما يأتي فيما يدل على ما ذكرناه . هذا ، وأن ما استأنس به هذا القائل بحل الربا القليل وعدم تحريمه إلا أن يكون أضعافا مضاعفة من قول عمر رضي اللّه عنه على منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أيها الناس ثلاث وددت أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان عهد إلينا فيهن عهدا ينتهي إليه : الجد ، والكلالة ، وأبواب الربا . وفي رواية : الحد بالحاء . وقوله رضي اللّه عنه إلا أن آخر ما نزل من القرآن هو آية الربا . ثم توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قبل أن يفسرها لنا ، فدعوى الربا والريبة هو استيناس بغير محله ، لأن عمر وسائر الأصحاب رضوان اللّه عليهم يعلمون ما بينه اللّه ورسوله من تحريم الربا الذي كان يتعاطى بالجاهلية قليله وكثيره ، وجميع أنواعه لا سيما وأن الرسول قال في خطبته المشهورة في حجة الوداع على رؤوس الأشهاد : كل ربا في الجاهلية موضوع لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون .